


عدد المقالات 369
يبدو من الوهلة الأولى أن الحرص على حسن الجوار أمر بدهي، تفرضه المنافع التي تعود على الجيران إذا أحسنوا الجوار، والمضارّ التي تقع عليهم متى ما نشبت المشاكل التي تستنزف الطاقات وتهلك الزرع والضرع والبشر وتعطل المصالح. ومع ذلك، يتضح من تجارب عديدة أن الجوار الحسن لا يتحقق تلقائياً، بل يبدو من بعض الوقائع أن سوء الجوار هو الأصل، وأن حسن الجوار استثناء. يعزز هذا الاحتمال حالة من التوتر شبه الدائم بين بعض الجيران، كما يعززه إسراع أي سلطة في بيانها الأول -سواء أكان بيان انقلابيين أم حكومة منتخبة- إلى التأكيد على حسن الجوار، وكأن كل سلطة جديدة تسارع إلى نفي اتهام بإضمارها نوايا خفية لتعكير صفو الجوار أو الاستمرار على حالة قائمة من سوء الجيرة! فما تفسير هذه الحالة؟ تُعزى هذه الحالة إلى الحساسية بين الجيران بسبب الندية أو الغيرة أو كليهما، خاصة إذا كان بين الجارين تنافس إقليمي. ويمكن الحد من آثار هذه الحساسية إذا تفهّمت النخب والقيادة في البلدين الجارين طبيعة هذا الشعور، وضرورة حصره في نطاق ضيّق حتى لا تفلت هذه الأحاسيس وتتحول إلى دوافع للغضب الذي يتبعه التحدي والتصعيد. ندرك أهمية محاصرة مشاعر الحساسية عندما نلاحظ قابلية العوام بل وميلهم إلى أجواء التصعيد المشحونة بالمهاترات المتبادلة. يُعتبر الإعلام العامل الحاسم في معالجة هذا الأمر؛ ففي مقدوره محاصرة مشاعر الحساسية، وفي مقدوره إطلاقها من عقالها لتخلق مشاعر الكراهية والاحتقان. لذا، يُقدّر جداً الإعلام المسؤول الذي يضطلع بدور توعوي يبصّر الشعوب بمصالحها وينبّهها لمخاطر الانصراف إلى المشاحنات، التي تقود حتماً إلى مشاعر من الكراهية تستحيل معها أية محاولات للتعاون والتكامل، رغم ما للتعاون من مزايا لا تخفى. كما للإعلام دور في تصحيح صورة البطل القومي، فيعلي الشعب مقام الزعيم الساعي للإعمار والبناء والتنمية، بدلاً من الساسة الذين تستهويهم الحروب والخطب الحماسية التي تسيء إلى الجيران من منطلقات عرقية أو دينية أو قومية. من أمثلة الجوار التي وتتأثر سلباً أو إيجاباً بالطريقة المتبعة في معالجة الحساسية، العلاقة بين السودان ومصر، حيث تزدهر العلاقة عندما يُعالج الموضوع بحكمة، ويتراجع عند لجوء أحد الطرفين أو كليهما إلى التصعيد. بما أن تحقيق الآمال المرجوة يتم باستقرار العلاقة، فإن تعرّضها للاهتزاز يعطل كثيراً مسارها نحو تحقيق آمال الشعبين في النهضة المرجوّة، من استغلال موارد وإمكانات البلدين التي تؤهلهما لارتياد آفاق التقدم. ويُلاحظ أيضاً أن المغرب العربي الكبير لم يبلغ قدره المستحق -رغم إمكاناته- بسبب انفلات مشاعر الحساسية بين بعض دوله. وبما أن العاقل من اتعظ بغيره، تفترض العبرة بما حدث للأمم الأوروبية، عندما اشتطت في المشاعر الوطنية حتى أشعلت حروباً حصدت الملايين، ثم تراجعت لتضبط هذه المشاعر ضبطاً صارما حتى لم يعد في الإمكان تخيّل اندلاع حرب بين ألمانيا وفرنسا، ولن تتعدى الحساسيات حدودها لتصل حد المواجهات المسلحة كما حدث بين العراق وإيران في حرب السنوات الثماني، وغيرها من حروب العالم الثالث الذي يتسابق على شراء السلاح من دول كبرى تعاهدت على السلام. فإذا نبذت دول غنية الحرب لكارثيتها وتكلفتها العالية، فما بال دول صغيرة أحوج ما تكون إلى مواردها، تشعل نيران الحرب في إثيوبيا والصومال وبين تشاد وليبيا والحرب القبلية في جنوب السودان؟
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...