


عدد المقالات 361
كانت الساعات القصيرة تطول بأبي فراس في سجنه، ويضيق بها ذرعاً، وكانت الليالي تطول بالمتنبي مع حُمّاه وبلواه، فتستثقلها نفسه، فيبوح شعره بألمه، وكانت هذه الليالي لا تستغرق إلا سكرة وصحوة في موازين أبي نواس، وبرهة وختلة في موازين عمر بن أبي ربيعة، وهكذا هو الدهر في عدسات الشعراء، منهم من يصوّره بطيئاً متثاقلاً، ومنهم من يصوّره سريعاً عابراً، وما ذاك إلا لأن فريقاً منهم تحشرج وتنغّص بمعيشته فثقُلت عليه، واستبطأ مضيّها، وفريقاً آخر استمتع بحياته، فمرّت عليه سريعاً حتى شعر بالغُبن وبالفوت وذهاب الشباب وقرب الموت، فطول الوقت وقصره لا يحسب حسبة واحدة عند الفرِح والمهموم، بل لكلٍّ منهما حسبته الخاصة التي تتواءم مع طبيعة ظرفه، وحال إحساسه ومشاعره، وذاك المتنبي الذي صوّرت عدسته ليله المترنح مع الحُمّى، يصوّر لنا تسارع ذلك العهد الذي قضاه في صباه، قائلاً: ذكرْتُ بهِ وَصْلاً كأَنْ لم أَفُزْ بِهِ *** وَعَيْشاً كأَنّي كنتُ أَقْطَعُهُ وَثْبا ما أسرع ما قضى ذلك العهد، وتعدّى تلك الآونة! هكذا تمرّ أيام السعد وفترات الرخاء، سرعان ما تتحول عن صاحبها أو يتحول عنها، ذهبت أيام الوصل بحلاوتها وهناء عيشها كأنها لم تكن من قبل، وكأنه كان يقفز فوق تلك المراحل ويمرّ بها مرور الكرام، لينتهي به المطاف إلى المشيب والآلام والأسقام، وفي مثل هذا يقول عنترة: وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ *** كما ينمو مشيبي في شبابي لقد استفحل حبّ عبلة في روحه، وتمكّن من فؤاده كما تفاقم الشيب على حساب الشباب، وقد اختار الشاعر هذا القياس لعلمه أن ليس هناك أعجل من زوال الشباب إلى الكهولة، وأفول بدر التمام، ليعود كالعرجون القديم، وذبول ربيع العمر وحلول خريفه.
بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...
أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...
منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...
أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...
لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...
أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...
إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...
اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...