حكم لم يفاجئ أحداً!
04 ديسمبر 2014 , 07:15ص
السذج فقط، هم الذين عاشوا على أوهام، صدور أحكام قضائية، في محكمة القرن. بإدانة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، ونجليه ووزير داخليته حبيب العادلي، وقيادات الوزارة. ففي أكتوبر الماضي كتبت في نفس المكان، مقالا تحت عنوان» شبهات حول المحاكمة»، بعد أن أجل القاضي المستشار محمود الرشيدي جلسة النطق بالحكم، إلى أول الأسبوع الحالي، توقعت فيها براءة المتهمين جميعا، وقلت بالنص «إن الجديد، سيكون تحويل جهة الاتهام من مبارك وجماعته، إلى الإخوان المسلمين ومكتب الإرشاد». لم يكن الأمر رجما بالغيب، أو قدرة على التنبؤ، ولكن قراءة متأنية للظروف السياسية التي تعيشها مصر، منذ أكثر من عام ونصف. ولعل من المفارقات التي تستدعي التوقف، لمعرفة الأجواء التي نعيشها في مصر الآن، أنه وبعد إحكام البراءة التي صدرت في حق مبارك، وصحبه بيوم واحد، قام القاضي في قضية اقتحام السجون، بإصدار حكم بالسجن ثلاث سنوات، على قيادات جماعة الإخوان المسلمين، والتهمة إهانة القضاء، بعد أن هتف المتهمون في القفص «باطل. باطل» وهنا التناقض، البراءة من جرائم قتل الثوار، وإهدار المال العام، وتزويد إسرائيل بالغاز المصري بأسعار زهيدة، والسجن بتهمة إهانة المحكمة، مع كل الاحترام والتقدير للقضاء.
والأمر لم يكن وليد اللحظة، التي نطق بها القاضي حكمه، ولكن القضية برمتها بدأت منذ 11 فبراير 2011، عندما تخلى مبارك عن الحكم للمجلس العسكري، فقد ظل مصير الرجل معلقاً طوال عدة أشهر، قضاها معززا مكرما، يتمتع بكل امتيازاته، وحرسه، في قصره في مدينة شرم الشيخ، والمجلس غير قادر على حسم قضية التعامل مع مبارك، فهو في كل الأحوال، كان حتى أسابيع قليلة، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب الفضل على كل أعضاء المجلس، بما فيهم رئيسه في ذلك الوقت المشير محمد حسين طنطاوي، هو من عينه، وهو من أبقاه في منصبه لسنوات طويلة، وكان من الصعب عليه نفسيا وإنسانيا على الأقل، الإساءة إلى الرجل بأي صورة من الصورة، فهو أحد أبناء المؤسسة العسكرية، فما بالك بإحالته إلى القضاء، أو عرضه على النيابة. وتغير هذا الموقف، نتيجة عدة ظروف وعوامل، منها التظاهرات شبه الأسبوعية، من ثوار 25 يناير، والتي تطالب بالقصاص لحق الشهداء، والتي مثلت ضغوطاً على المجلس العسكري»، واتهامات كبيرهم الذي علمهم السحر محمد حسنين هيكل، الذي كشف في مقالات عديدة، عن مليارات مهربة، مثلت ثورة مبارك ونظامه، وانتقاده لإقامته في مدينة شرم الشيخ، وقيامه باتصالات قد تضر بالأمن القومي، كما قال هيكل. وأخطأ مبارك نفسه، عندما سرب خطابا له عبر قناة العربية الفضائية، دافع فيه عن نفسه، وبدا متحدياً، معلنا عن ملاحقته قضائياً لكل من انتقده، أو هاجمه، فاستفز الجميع، وزاد الضغط على المجلس العسكري، مما دفعه إلى اتخاذ «القرار المر» «والإجراء الصعب» ببدء تحقيقات النيابة معه، في العديد من التهم.
وبدأ جدل كبير في الأوساط المصرية، حول آلية التعامل مع فساد نظام مبارك، هل يكون عبر محاكم ثورية؟ أم من خلال القاضي الطبيعي، وانحاز المجلس العسكري للخيار الثاني، وروج فكرة قد تكون صحيحة، من حيث الشكل، ولكنها غير مأمونة العواقب، وهي أن المحاكم الثورية ستقضي على أي أمل في استعادة مصر للأموال المهربة، وإمكانية تعاون الدول الغربية مع مصر بهذا الشأن، خاصة والحديث عن مليارات الدولارات، وهو آمر مغر للعامة، بأن استعادتها يعني انتعاشاً للاقتصاد المصري، وعزز ذلك التوجه.
ومن هنا بدأت المأساة فنحن أمام أول حالة للتحقيق مع رئيس سابق، ظل في منصبه 30 عاما، هو من عين النائب العام الذي أمر بالتحقيق معه، المستشار عبدالمجيد محمود، وهو من وافق على ترقيته، وكل العاملين في المراكز العليا في النيابة، والتي ستعتمد على أدلة وأسانيد، ستقدمها مؤسسات الدولة المصرية، خاصة الشرطة، رغم أنها كجهاز وأفراد، متهمة بقتل المتظاهرين، كما أن في مقدمة المتهمين قيادات وزارة الداخلية، وزيرها اللواء حبيب العادلي وخمسة من معاونيه، فماذا تنتظر من هؤلاء؟ المنطقي أن يتم تقديم قضية مهلهلة، وأدلة يمكن الطعن عليها، وثغرات يمكن النفاذ منها، ومن ذلك تكييف الاتهامات، فعلي سبيل المثال، هل يمكن حصر فساد نظام مبارك المالي، في الحصول على ثلاث فيلات، له ولابنيه من الملياردير حسين سالم، والقاصي والداني، من طلاب كلية الحقوق، يعرف أن القانون ينص، على أنه لأوجه للدعوة، إذا مر عليها أكثر من عشر سنوات؟ وهل يعقل أن يتم إعدام كل الوثائق الخاصة، بأخطر أيام مبارك إثناء ثورة 25 يناير؟ دون إن سيتوقف ذلك أيا من الأجهزة الأمنية، ويكتفي القضاء بإصدار حكم عامين، على المتسبب في تلك الكارثة. وعندما أصدر القاضي أحمد رفعت أحكاما، في أول درجة بالأشغال الشاقة على مبارك ورموز نظامه، وكان ذلك قبل أيام، من مرحلة الإعادة في الانتخابات الرئيسية، كانت تلك الجولة الأولي من معركة طويلة، ولكنها معروفة النتائج، فدرجات التقاضي طويلة ومتنوعة، منها الاستئناف والنقض، ولكل مرحلة أدواتها وأساليبها.
وجاءت اللحظة المناسبة بعد 3 يوليو 2013، وبداية مرحلة جديدة ومختلفة في مصر، وتغير مسار القضية تماما، وبالقانون، خاصة مع سيل الأحكام بالبراءة، التي حصل عليها ضباط الشرطة وقيادتها، في قضايا قتل المتظاهرين، في أكثر من عشر محافظات مصرية، ومن المنطقي في حالة براءة الأدوات، فإن المحرض تنتفي عنه الجريمة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وتبدلت شهادات كل الشهود، وبدون استثناء، ففي المرحلة الأولى كان التحفظ هو سيد الموقف، أو حتى الادعاء بعدم العلم، والتلميح بإمكانية أن يكون مبارك متورطا في تلك الجرائم، وأصبح الجميع أمام المستشار محمود الرشيدي أكثر جراءة، فثورة 25 يناير جزء من مؤامرة، استهدفت مصر المنطقة، وسعت إلى تغيير النظام، بالتعاون مع الإخوان المسلمين، الذين تورطوا في تلك المؤامرة، باقتحام السجون، واستهداف الأمن ومؤسسات الدولة، وقتل المتظاهرين، هكذا تحدث كل الشهود وفي المقدمة منهم، رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي، وقادة كبار ومسؤولين عن أجهزة أمنية، ومبارك لم يتربح من منصبه، ولم يفرط في حقوق المصريين، ببيع الغاز إلى إسرائيل، وكانت البراءة هي النهاية السعيدة لمحاكمة معروف الحكم فيها سلفا أما القادم فالإشارات عليه لا تخطئها عين المراقب، فإذا كان مبارك أو العادلي لم يتورطا في قتل الثوار، فالإجابة في الحلقة الجديدة من المسلسل، المتهم جاهز، هو جماعة الإخوان، ولن يفرق كثيراً، إذا استمروا في السجون، فتهمهم أكثر من أن تعد أو تحصي، ولن يضيرهم كثيراً إذا تم تحميلهم كل تهم نظام مبارك. ويخطئ للمرة الألف، من ينتظر أن يتغير الحال في محكمة النقض، بل العكس هو الصحيح ، أن الجميع سيقول لمبارك «أسفين ياريس». ويمكن للرجل أن يرفع قضية رد اعتبار، على الملايين التي خرجت تهتف «الشعب يريد إسقاط النظام».
usama.agag@yahoo.com •