الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
02:21 ص بتوقيت الدوحة

المعتمد بن عباد.. الملك الأسير!

د. موسى آل هجاد الزهراني
كان المعتمد بن عباد ملكاً على (إشبيلية) في أندلُسِنَا المفقود، بل توسع ملكه حتى أصبحت (مرسية) و(بلنسية) و(قرطبة) تحت يديه، كان من نبلاء ملوك الأندلس الأدباء، قيل فيه ما قيل، مُدحَ حتى أوصلوه بمدحهم الجوزاء، وفاخروا به الثريا، ثم ذمّوه حتى جعلوا من تاريخه قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عِوجاً ولا أمْتا!.
أما أنا فَلِي في أدبه وشعره تذوقٌ لم أشأ أن أحرمكم منه.
فالمعتمد من عباد هذا كان أديباً شاعراً رقيقاً، مَن قرأ شعره وجد فيه سحر الأندلس، واشتمَّ عبق حدائقها الغنّاء التي كانت يوماً زهرة الدنيا كلها، وكان بارعاً في وصف كل شيء حتى الرثاء، كلما قرأتُ ما قاله في رثاء ابنيه رجف فؤادي، فقد سمع حمامة تنوح بجواره على صغيرين لها:
بَكَت أَن رأتْ إِلفَين ضَمهُما وَكرُ
مَساءً، وَقَد أَخنى عَلى إِلفها الدَّهرُ
بَكَتْ لَم تُرِق دَمعاً وَأَسبلتُ عَبرَةً
يُقصّرُ عَنها القطر مَهما هَمَا القَطْرُ
وَناحَت فَباحَت وَاستَراحَت بِسرّها
وَما نَطقَت حَرفاً يَبوحُ بِهِ سِرُّ
فَما ليَ لا أَبكي أَمِ القَلبُ صَخرَةٌ
وَكَم صَخرَةٍ في الأَرضِ يَجري بِها نَهرُ
لكن الذي يؤلمني جداً حتى يبكيني أن المعتمد تنكرتْ له الأيام، وأُخِذَ أسيراً إلى بلدة (أغمات) في المغرب، ومكث في سجنه أربع سنوات عجافٍ؛ حتى مات سنة 488هـ (1095م).
في يومٍ من أيامِ عِزّه في مُلكه رأت زوجتُه المدلّلة من أعلى شرفة قصرها في (إشبيلية) بنات الفقراء يحملن قِرب الماء على ظهورهن ويطأن بأقدامهن الحافية في الطين، فاشتهت زوجته أن تطأ في الطين بأقدامها الحافية مع جواريها!.. فما كان من المعتمد إلا أن أمرَ بأن يُجاء بالمسك والكافور ويُخلط بماء الورد ويُصب على الطين، ويجاء بِقِرَب الماء المنسوجة من الحرير وتُملأ بماء الورد وتُحمل على ظهور الجواري، فخاضت معهن زوجته وتحققت رغبتها المترفة، لكنّ الطبع غلاب! ففي يومٍ غضبت منه فقالت له: لم أر منك خيراً قط! قال: ولا يوم الطين؟! فخجلت!..
فلما كان في سجنه، بعد أن تشتّتتْ أسرته، وافتقر بناتُه، وأصبحن يعملن خادماتٍ لدى بيوت الأغنياء، جِئن لزيارته في سجنه يومَ عيد الأضحى، وكُنَّ يرتدين ثياباً ممزقة، ويمشين بأقدامٍ حافية، وعليهن من كآبة المنظر ما يستدر دموعَ الصخور! فانهار المعتمد وقال قصيدته المشهورة:
فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا
فَساءَكَ العيدُ في (أَغماتَ) مَأسورا
تَرى بَناتِكَ في الأَطمارِ جائِعَةً
يَغْزِلنَ لِلنَّاسِ ما يَملِكنَ قطميراً
بَرَزْنَ نَحوَكَ لِلتَسليمِ خاشِعَةً ** أَبصارُهُنَّ حَسراتٍ مَكاسيرا
وتذّكر يوم أن كُنَّ يخضن بالأقدام المترفة في طين المسك والكافور فقال:
يَطأنَ في الطين وَالأَقدامُ حافيَةٌ
كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكاً وَكافورا!
أَفطَرتَ في العيدِ لا عادَت إِساءَتُهُ
فَكانَ فِطرُكَ لِلأكبادِ تَفطيرا
قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرْهُ مُمتَثِلاً
فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيّاً وَمأمورا
مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ
فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورا
مات المعتمد، وماتت الأندلس.. وبقيت آدابها وأدبُه في بطون الكتب.

اقرأ ايضا

دموع بغدادية!

09 مارس 2016

مشاعر الشعراء

21 ديسمبر 2016

المتنبي وفلسفة الموت

26 أكتوبر 2016

رجولة عظيمة

18 نوفمبر 2015

الشعراء.. والعيد

06 يوليو 2016

بكاؤهم!

12 أبريل 2017