المسلمون في الغرب.. حضور في الشارع وغياب في المشروع 2-2
02 أكتوبر 2012 , 12:00ص
يقرب عدد المسلمين في أوروبا الغربية وحدها من العشرين مليونا، أما في عموم القارة الأوروبية فقد يصلون إلى الخمسين، ناهيك عن الأميركتين وأستراليا، وهم في الغالب يتحركون فرادى لتحقيق مصالحهم ونيل حقوقهم وهذا ما يفسر ضعف دورهم مقارنة بالأقليات أو الجاليات الأقل عددا، أما الإسلاميون منهم فلا تنقصهم الهمة والعمل اليومي الدؤوب في خدمة الإسلام، فالمساجد والمراكز والمدارس التي بناها المسلمون هنا ليست قليلة كما أنها في الغالب ليست مؤسسات تقليدية وإنما هي مؤسسات فاعلة وتستوعب نشاطا تربويا ودعويا لا بأس به، لكن الذي ينقصهم هنا بناء المشروع الهادف والمتكامل، فالحياة هنا كالنهر المتدفق تجري فيه الثقافة والسياسة والتربية والقانون والاقتصاد في حركة متمازجة لا ينفك بعضها عن بعض، وحينما يخسر المسلمون واحدة من هذه الحلقات فإن محافظتهم على مكتسباتهم الأخرى تكون ضعيفة ومرتبكة.
تلحظ هنا مثلا قلقا كبيرا على مصير الأولاد أو ما يسمى بالجيل الثاني أو الثالث؛ حيث يعيشون في الغالب حالة من الازدواجية بين قيم المسجد والأسرة وبين قيم المجتمع بكل مؤسساته الفاعلة، وليس أمام الآباء هنا إلا تكثيف الدور الأسري والمسجدي لتعزيز الهوية الإسلامية في مواجهة الهوية الزاحفة، وهذا هو الحد الأعلى المتاح هنا اليوم، أما التفكير بالمدافعة السياسية والقانونية لتثبيت حق المسلمين في الحفاظ على هويتهم فهذا يتطلب نمطا آخر من التفكير كما يتطلب جهدا استثنائيا ومختلفا عن الفعاليات السائدة. والغريب أنك تجد هنا من يفتي بحرمة التفكير في هذا المجال ويثير نوعا من الشبهات والتي قد تصل إلى التصريح أو التلميح بالردة عن الإسلام، ما يثير رعبا لدى المفكرين، فالمشاركة في حكومة غير مسلمة تجعلك أنت أيضا غير مسلم! والحجة عندهم واضحة وقاطعة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فمن شارك في نظام غير إسلامي وزيرا أو برلمانيا ولو معارضا أو عضوا في بلدية فحكم الآية يشمله! ولا يملك الذين يحاولون أن يكسروا هذا الطوق إلا التذرع بالضرورة وهو ما يحمل إقرارا ضمنيا بأصل الفتوى.
ربما يكون لنا وقفة مع هذا الموضوع لكن يكفينا هنا أن نشير إلى بعض الآثار المترتبة على مثل هذه الفتاوى:
أولا: من الناحية العملية لا تملك هذه الفتاوى تحرير الأقليات المسلمة من الخضوع الشامل لنظام الدولة العام وقوانينه التفصيلية التي لم يتدخل المسلمون في صياغتها لا من قريب ولا من بعيد، وهذا يعني أن هذه الفتاوى تمنع المسلمين من التأثير في النظام لكنها لا تمنعهم من الخضوع له، وهذه مفارقة غريبة ولها وطأتها الشديدة على حياة المسلمين هنا.
ثانيا: يشعر الكثير من المسلمين هنا بالمظلومية لأن القانون لا يراعي خصوصيتهم الدينية والثقافية، وهذا الشعور ينتج سلوكا مضطربا وشاذا في بعض الأحيان، فقد يحاول المسلم التنصل عن التزاماته القانونية بطرق غير لائقة، وأضرب هنا نموذجا من أسوأ ما سمعت؛ حيث يمنح القانون للمرأة المطلقة سكنا مستقلا، فيتفق الرجل مع امرأته على تسجيل الطلاق الشكلي من أجل الحصول على سكن إضافي يكون مصدرا آخر للرزق، ثم بعد سنة أو أكثر تذهب هذه المرأة المطلقة شكليا إلى الجهات المختصة لتسجيل مولودها الجديد! فيسألونها: من أين جاء هذا المولود؟ فتقول من علاقة غير شرعية! فيقولون لها: أنت مسلمة والإسلام يحرم عليكم هذا!
ثالثا: رغم حصول الكثير من المسلمين على الجنسية فإن الشعور بالغربة يحول دون المساهمة حتى في الحياة العامة، ما يرسخ حالة السلبية عند المسلمين، فقد يمضي على المسلم عشرون سنة من عمره ولم يترك بصمة في هذه الأرض تشهد له، بل إن بعض المفاهيم السائدة هنا تدعو للمنافسة في هذه الحالة السلبية كتعبير عن الارتباط والوفاء للوطن الأم، لكن من الناحية العملية هو لم يقدم شيئا لا لوطنه الأول ولا لوطنه الثاني، وكل هذا من شأنه أن يعطي انطباعا لدى الآخرين أن المسلم لا يحب العمل ولا يقدر أن يخلص فيه فضلا عن أن يبدع، فالآخرون يحكمون على السلوك الظاهر ولا يفهمون ما وراءه من فلسفات وتعقيدات.
رابعا: هناك حالة من الازدواجية تسود عند أولاد المسلمين، فهو في البيت يجب أن يظهر كراهته للمجتمع والنظام والقانون ليثبت لأبويه أنه أصيل ومتمسك بهويته لكنه في المدرسة مثلا يعيش حالة نفسية أخرى فهو يحب معلميه ويحب أصدقاءه ويحب النظام أيضا لأنه يقدم له كل ما يحتاجه، وهذا ما سمعته من بعض الأولاد صراحة، وهذه مسألة في غاية الخطورة، ولذلك يفاجأ الآباء بأبنائهم لما يكبرون ويكونون أهلا لاتخاذ القرار.
خامسا: هناك حالة من الازدواجية عند أصحاب هذه الفتاوى أو الآراء المتشددة أنفسهم، ففي الوقت الذي يرفعون فيه شعارات العزة للمسلمين والبراءة من المشركين وهي غالبا ما تكون في المساجد، لكنهم من أجل الحصول على بعض المكاسب المادية يكونون أنعم من خيط الحرير مع هؤلاء الكفرة! ويستحضرون كل النصوص التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وقد علمت أن رجلا ألح على إدارة المدرسة أن يوفروا لامرأته معلمة لوحدها لأنها مسلمة والإسلام يحرم عليها الاختلاط مع الرجال في الصف الدراسي ففعلت المدرسة ذلك وتحملت تكاليف معلمة إضافية، لكنه فيما بعد اكتشف أن التعليم المختلط فيه ميزات مادية فتراجع عن موقفه الأول وأصبحت هذه القصة متداولة عند الناس هنا المسلمين وغير المسلمين!
إن الناس هنا لا يعرفون شيئا عن الإسلام إلا من خلال المسلمين وسلوكهم على الأرض، ومن المفارقات الغريبة أن الإسلام الذي يحث أتباعه على مقابلة الإساءة بالإحسان ويحث الدعاة بالذات على الصبر والحلم {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} و {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} و {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} نجد أن الصورة تكاد تكون معكوسة فالآخرون هنا هم الذين يحسنون للمسلمين ويقدمون لهم المأوى والحرية والأمن ولقمة الخبز لكن المسلمين يكافئونهم بالقطيعة ونكران الجميل، وهذا يعد من أبرز المعيقات للعمل الدعوي في الغرب.
أما انعكاس هذا السلوك على الأقلية المسلمة نفسها فهو أكبر من أن يحصر، والخطورة ليست على الجيل الأول كما يقال هنا وإنما على الجيل الثاني والثالث الذين ولدوا في هذه الديار وتعلموا فيها بقيم جديدة وأدوات جديدة، وهؤلاء يمتلكون القدرة على المقارنة والاستنتاج، فصورة الأوروبي فردا ومجتمعا ودولة تقترن عنده بالصدق والوضوح والإنصاف بعكس صورة المسلم التي تشوبها مساحة واسعة من الضبابية والارتباك، يضاف إلى هذا صورة النظام الرسمي للدول الإسلامية مقارنة بالنظام الرسمي للدول الأوروبية، وهذا يعكس لدى الشاب المسلم عددا من التداعيات والإيحاءات المقلقة.
إن المشروع الإسلامي في الغرب لا يصح أن يترك لهذه العفوية، ونقطة البداية أن يلتقي المفكرون المسلمون من الطراز القادر على إنتاج المعرفة وإنتاج الحل أيضا وصياغة الرؤى والاستراتيجيات من خلال لقاءات جادة ومحاورات معمقة، ثم ننتقل إلى الدول العربية والإسلامية لإقناعها أن تفعيل دور الأقليات المسلمة في الغرب يحمي هذه الدول من تأثير اللوبيات المعادية والتي تتحرك بكفاءة عالية في هذه البلاد، ثم نتجه لهذه الأقليات بخطة واضحة وبدعم مناسب ليكونوا بمستوى مسؤولياتهم التاريخية والجغرافية.
إننا كثيرا ما نشكو من اللوبيات الصهيونية والمحافل الماسونية العاملة في الغرب والقادرة على توجيه الرأي العام ضد مصالحنا ولكننا اليوم نمتلك أعدادا أكبر من كل تلك اللوبيات ونمتلك الوعي بضرورة الدفاع عن أنفسنا ولكننا نفتقر إلى مفردتين اثنتين (الإرادة) و (الإدارة).