سوء الخاتمة!!
02 يوليو 2015 , 04:13ص
من المؤكد أن السنوات التي مرت بمصر منذ ثوره ٢٥ يناير وحتى الآن مروراً بأحداث ٣ يوليو وما سبقها وما تبعها، هي السنوات الكاشفة التي مثلت فرزاً طبيعياً لمن هو الثوري أو المتخاذل، من هو صاحب المبادئ والباحث عن المنافع، من الذي خان أفكاره التي شكلت رؤيته لنفسه ورؤية الناس له ومن تمسك بها، مَن الذي دفع وما زال يدفع الثمن ومن الذي باع تلك الأفكار والمبادئ بثمن بخس قد يكون منصباً لم يدم أو دوراً لم يستمر. وأصبحنا أمام ظاهرة يمكن أن أطلق عليها «سوء الخاتمة»، والأمر هنا لا يختلف بالنسبة للبشر العاديين الذين يبتهلون إلى الله في كل صلاتهم «بحسن الخاتمة»، وبين السياسيين الذين فضحهم الله في حياتهم فكانت «سوء الخاتمة» والتي أصابت الكثيرين في سنوات المرحلة الانتقالية التي عاشتها مصر وما زالت، والنماذج أكثر من أن تعد أو تحصى ونتوقف عند بعضها وهي معروفة لمن يتابع الشأن المصري.
في المقدمة من هؤلاء الدكتور محمد البرداعي أيقونة ثوره يناير ورمز التغيير لإنقاذ مصر من التكلس والتصلب في شرايين العمل السياسي. طوال سنوات مبارك الأخيرة والمرشح لإنهاء مشروع التوريث الذي كان يعد بدأب شديد بعد أن أنهى عمله كمدير لوكالة الطاقة الذرية وعاد للاستقرار في مصر، مما خلق محوراً جديداً موازياً لسلطة مبارك، غفر له الجميع التحاقه بثورة الشباب في يناير متأخراً عدة أيام واعتبره الجميع الأب الروحي لها وتحول إلى أحد المعارضين لحكم الدكتور محمد مرسي ولكنه أول من تحدث عن سقوط شرعيته بعد أحداث الاتحادية فكان أحد قادة جبهة الإنقاذ واستمر دوره رغم أن حركة تمرد سحبت البساط من تحت أقدام كل الطبقة السياسية ومنهم البرداعي وغيره. والعجيب أنه خان كل المبادئ الديمقراطية التي عاشها في الغرب وعاد ليبشر بها في مصر بمشاركته في اجتماع ٣ يوليو الشهير الذي تم فيه عزل رئيس منتخب بأدوات هي أبعد ما تكون عن آليات الديمقراطية ومبادئ تداول السلطة.
لم يتوقف السقوط عند ذلك الحد فقد تم ترشيحه رئيساً للوزراء بعد ذلك الاجتماع ولكن تحفظات جهات عديدة أحالت بينه وبين المنصب فاكتفى بآخر شرفي هو نائب للرئيس الانتقالي للعلاقات الدولية لم يمارسه وقبل أن يكون محللا «وساتراً لعورة» نظام ما بعد ٣ يوليو ولكنه لم يتحمل ما جرى في إراقة دماء برئية في فض رابعة العدوية ويبدو أنه لم يكن جزءاً من التخطيط لتلك العملية فأعلن استقالته وعاد من حيث أتى من جنيف؛ حيث مقر إقامته فلم تشفع له الاستقالة وخسر من التوازنات، فنظام ما بعد ٣ يوليو اعتبرها بعض أنصاره ومريديه هروباً وتخلياً عن الدولة المصرية في أصعب الأوقات بينما معارضوه وهم كثر ومعظمهم من فلول نظام مبارك روجوا نفس قائمة الاتهامات المعلبة (العمالة لأميركا) وخسر كل شيء (تاريخه ومبادئه وجهوده في تلك الفترة القصيرة التي عاشها ضيفاً على المشهد السياسي)، ولم يعد هناك من يدافع عن الرجل من كل الاتجاهات وانتهى دور البرداعي ويعيش مرحلة سوء الخاتمة السياسي.
نموذج آخر، هو كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة الأسبق، عرفه جيل السبعينيات في مظاهرات جامعة القاهرة محمولا على الأكتاف، يتميز بصوت جهوري وقدرة على التأليف الفوري للشعارات الثورية التي تتردد بعد ذلك في كل تظاهرة ضد نظام السادات منذ العام ١٩٧٧ ودخل السجن في قضية مظاهرات ١٨ و١٩ يناير من نفس العام متهماً في القضية الخاصة بتلك الأحداث التي أطلق عليها النظام في ذلك الوقت «انتفاضة الحرمية». واستمر الحال بعد تخرجه من الجامعة فهو نجم كل التظاهرات في سنوات مبارك الثلاثين وهو محور كل الاضطرابات العمالية وأصبح أحد قادتها وعرف سجون الداخلية ومطاردات أمن الدولة وظل على مبادئه محاولا تشكيل نقابات عمالية مستقلة بعيداً عن سيطرة الدولة وهيمنة الحزب الحاكم، ومن الطبيعي أن يكون أحد نجوم ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ومن زعامات ميدان التحرير، ومع ذلك كان من قيادات جبهة الإنقاذ، كل ذلك مفهوم وفي إطار الاختلاف السياسي ولكن سوء الخاتمة بدأ عندما تم تعيينه وزيراً للقوى العاملة فكان عهده الأسوأ بعد أن ذاق حلاوة السلطة وسحر كرسي الوزارة وبعد أن كان شريكاً في كل الإضرابات العمالية أيد من موقعه تدخل الشرطة العسكرية لفض اعتصام في أحد المصانع في مدينة السويس وضاعت حقوق العمال في عهده وأنهى نضالاته السابقة والتي كما يبدو كانت جزءاً من الرغبة في تولي السلطة وليس معارضتها.
على نفس المسار كان النموذج الثالث الدكتور حسام عيسى أحد الوجوه البارزة في حركة استقلال الجامعات في زمن مبارك، كان أحد الرموز السياسية الناصرية التي تحظى باحترام وتقدير من كافة التيارات السياسية، رشح أكثر من مرة للوزارة ورئاستها بعد ثورة يناير ٢٠١١ ولكنه لم ينل هذا الشرف العظيم، ولم يمارس السلطة والاقتراب من السلطان سوي بعد مشاركته في أحداث ٣٠ يونيو وتم تعيينه وزيراً للتعليم العالي ولكنه باع كل مبادئه التي التزم بها وروج لها طوال تاريخه بعد أن سمح بتدخل قوات الأمن إلى الحرم الجامعي لمواجهة التظاهرات الطلابية ودافع عن انتهاكات تلك الأجهزة، وأيد عودة الحرس الجامعي بعد صدور حكم قضائي بإنهاء عمل ذلك الحرس في سنوات مبارك، كما برر كل تجاوزات الداخلية ضد الطلاب فقط لأنهم لا ينتمون إلى الفيصل السياسي الملتزم به ولتذهب المبادئ إلى الجحيم.
النماذج أكثر من أن تعد أو تحصى خاصة في أوساط النخبة المصرية التي استأسدت في أيام الدكتور محمد مرسي، وتدرك أكثر من غيرها أن زمن استباحة الرئيس انتهى وأصبح الكل يمارس «المعارضة الناعمة» والحديث المحسوب بعناية شديدة. أحدهم الدكتور وحيد عبدالمجيد الذي انتقل بين أكثر من حزب وتبنى أكثر من تيار وكان أحد نجوم مرحلة ما بعد ٣ يوليو ها هو الآن بعد أن اكتشف أنه ليس له دور يؤكد في حوار منذ أسبوع لأحد الصحف الخاصة بأن السيسي يسير على نهج سياسات السادات ومبارك ولكنه يقدم رؤية مبهمة عن سيناريوهات السنوات القادمة، أما الدكتور أسامة الغزالي حرب فبني سمعته السياسية على استقالته من لجنة السياسات التي تم تشكيلها لتكون قاعدة انطلاق لجمال مبارك الوريث وكان من الشخصيات المؤثرة بعد ثورة ٢٥ يناير وانضم إلى جبهة الإنقاذ ولكنه نموذج للمعارضة الناعمة التي يستفيد منها النظام خاصة وأنها منزوعة الدسم السياسي ووجودها لا يضر. وبعد أن خسر معركته القضائية مع الإعلامي أحمد موسي الذي وصفه «بابن النظام» راح يتحدث في حوار صحافي مؤخراً عن السيسي الذي «يحكم مصر وكأنه ضابط مكلف بمهمة». وينتقد ما جرى بعد ١١ فبراير ٢٠١١ عندما سلم الثوار الحكم في مصر للمجلس العسكري دون أن يشير إلى عسكرة المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة، ومن هؤلاء أيضاً عبدالحليم قنديل الذي يشير إلى أن رجال الأعمال يريدون السيسي مبارك جديداً يستأنف لهم عصر النهب، وينظر لما يسميه «رأسمالية الجيش» وهو تعبير نحتفظ له ببراءة اختراعه ويعول عليها في مواجهة «رأسمالية المحاسيب» ورجال الأعمال ويتوقع الصدام بينهما.
كل النماذج السابقة تعاني من سوء الخاتمة وفقاً للمفهوم السياسي وليس الديني فهم لم يعودوا كما كانوا ومعهم الكثيرون والقائمة تطول ولكننا نكتفي بهذا القدر.
usama.agag@yahoo.com •