alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

في ذكرى انقلاب جعفر نميري

02 يونيو 2012 , 12:00ص

امتلأ السودانيون فخراً وهم يرون رئيسهم الشاب يهبط بطائرته في الأردن لا يبالي بنيران القصف المتبادل بين الجيش الأردني والقوات الفلسطينية في معارك سبتمبر 1970. كان ذلك الرئيس هو جعفر النميري القادم للسلطة قبل عام وبضعة أشهر. وكان الناس منقسمين بين مؤيد ومعارض للانقلاب. لكن الشخصية السودانية يعجبها الإقدام. فأعجب كل السودانيين برئيسهم الذي أوفدته القمة العربية إلى الأردن. فاقتحم الأهوال وعاد إلى القاهرة يصطحب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. مرت قبل أيام الذكرى الثالثة والأربعون للانقلاب الذي قاده العقيد جعفر نميري في 25 مايو 1969 مطيحاً بنظام تعددي كانت الغلبة فيه لأحزاب جماهيرية تقليدية يمكن تصنيفها في الوسط أو يمين الوسط ولم يكن لليسار وجود مؤثر من ناحية الكم، لكنه كان ذا أثر واضح في قطاعات مستنيرة استعاض بها عن ضعفه الكمي. جسد الانقلاب حالة الاستقطاب الحاد بين اليمين واليسار في الفترة التعددية التي امتدت من 1964 إلى 1969. كان من أمثلة حدة الاستقطاب التنافس بين إسماعيل الأزهري رئيس أول حكومة وطنية وعبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي. نزل الزعيمان في دائرة واحدة كدليل على استحالة التوافق. ورغم إمكانية ترشيح عبدالخالق في أي دائرة أخرى مضمونة. لكن الشيوعيين رأوا في أجواء الاستقطاب تلك تصعيد المعركة مع رؤوس (الرجعية) حسب التصنيف الشيوعي. وبلغ التصعيد بين اليمين واليسار أشده بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان السوداني. ونحن نستعرض ونقيم الأحداث والظروف التي وقع فيها ذلك الانقلاب لا بد أن نقيم بمعايير تلك الفترة. متجنبين تقييم الماضي بمعايير اليوم. تسود منذ أكثر من عقد مفاهيم الديمقراطية الليبرالية. بل وأصبح تدخل الجيش في السياسة أمراً مرفوضاً تمنعه المنظمات الإقليمية كما يحدث من الاتحاد الأفريقي الذي رفض مؤخراً الانقلاب في مالي، وأعاد ترتيب الأوضاع في ذلك البلد بما يعيد النظام الديمقراطي. لكن تدخل الجيوش في السياسة كان مألوفاً لما وقع انقلاب مايو في السودان. وتجاوزت الجيوش العربية طرق الانقلاب التقليدية التي يتسلم بها الجيش السلطة ليدير البلاد بالانضباط العسكري فقط. فقد تسللت الأفكار السياسية والأيدلوجيات إلى الجيوش العربية خاصة بعد ثورة يوليو في مصر. فكانت ثورة يوليو في العراق وثورة مايو في السودان وثورة الفاتح في ليبيا. كما أطيح بأحمد بن بيلا في الجزائر. في تلك الأجواء وقع انقلاب مايو في السودان يسنده اليسار المكون من الشيوعيين والقوميين. ثم أصيب النظام بما أصيبت به ثورة يوليو العراقية، حين دب الخلاف الحاد بين عبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف. فقد اختلف نميري مع الشيوعيين وتصاعد الخلاف لدرجة المواجهة الدموية التي انتهت بضرب الحزب الشيوعي في مقتل. بعد الفراغ الذي أحدثه انسحاب الحزب الشيوعي لم يلعب القوميون دوراً كبيراً، فقد تراجع تأثيرهم برحيل عبدالناصر وتراجع دور مصر القومي. ولم تبد الجبهة الوطنية المعارضة مرونة في التعامل مع النظام بعد ضربه للحزب الشيوعي. كانت الجبهة الوطنية مكونة من الحزب الاتحادي وحزب الأمة والإسلاميين. وهي تنظيمات اكتوت بالنيران الشيوعية أيام هيمنة الشيوعيين على النظام. لكن الهوة بين نظام نميري وتلك الأحزاب كانت كبيرة بحيث لا يكفي ضرب الشيوعيين وحده لـ(ردم) هذه الهوة. لكن آخرين -وبعد أن أصبح نظام مايو جزءاً من التاريخ- يرون أن الفترة التي أعقبت إزاحة الشيوعيين كانت مناسبة لتقارب سياسي مع الجبهة الوطنية لو أبدى الطرفان فهماً سياسياً متقدماً. خاصة أن بديل ذلك التقارب الممكن الذي لم يحدث. كان مواجهات في غير معترك أنهكت الجانبين. فقد أضاع النظام جل جهده في حماية نفسه من مخططات المعارضة. وأضاعت الجبهة الوطنية جهودها في التسلح والغزو وتنظيم الإضرابات. وكان في الإمكان أن يفضي التقارب إلى مزيد من الإنجازات. فقد قدم نظام مايو رغم انشغاله بمضايقات الجبهة الوطنية المعارضة إنجازات معتبرة في التنمية والخدمات لا يقلل من أهميتها وجدواها ما ينعاه عليه خصومه من تقصير في ميدان الديمقراطية. عانى كثيراً نظام مايو من الفراغ السياسي والفكري بعد فك ارتباطه مع الشيوعيين وفشله في خلق صيغة جديدة. لم يملأ الاتحاد الاشتراكي الفراغ السياسي. فقد نقلت تجربته من مصر بعد أن فشلت التجربة في موطنها الأصلي. هو تنظيم مصنوع لم يبرز من إرادة شعبية ولم يمر بأطوار تنظيمات الجماهير فيحمل أنفاسها ونبضها. فكان لا بد أن يستمد التنظيم قوته من إمكانات السلطة الحاكمة ويتلاشى بزوالها. ولذلك تخبط نظام نميري بين اليسار واليمين، وأصبح النظام يستمد توجهاته من رؤى و(مزاج) الرئيس الذي لم يكن يتمتع بمواهب فكرية. ويكفي أن نشير إلى أن النميري الذي تحالف يوماً ما مع الشيوعيين هو ذاته النميري الذي أقام دولة للهوس الديني. كان طبيعياً أن يختزل كل النظام في شخص الرئيس ما دام الفراغ السياسي هو سيد الموقف. انفرد النميري بكل شيء رغم ضعف قدراته الفكرية. وتمددت دولة النفاق ليزين أصحاب المصالح لـ(القائد الملهم) أفعاله. فتمادى قائد النظام في الفردية والتخبط. وكان طبيعياً أن ينهار النظام بعد تجربة مليئة بالأخطاء والإنجازات. أصبح الآن نظام مايو جزءاً من التاريخ. نعتبر بعبره وعظاته. ولعل أعظم العبر أن الصراع السياسي أخطر الأدواء على الوطن. وأن (المشتركات) هي الغائب الأعظم في الساحة السياسية السودانية.

الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...