


عدد المقالات 369
تجد أخبار المحاولة الانقلابية في السودان اهتماماً شعبياً جعلها حديث المجالس المفضل، وتجد اهتمام الإعلام الذي انشغل -قبل هذا الخبر المزلزل- بأخبار مؤتمر الحركة الإسلامية الذي شهد خلافات جعلت أحداث المؤتمر (بهار) الأخبار. وتجد اهتماماً سياسياً في بلد يترقب التغيير بعد أن تكلس النظام فيه وفقد ما يعطيه حتى لم يعد يملك غير اجترار الذكرى. الاهتمام بخبر الانقلاب لا يأتي من الإثارة المرتبطة بأخبار الانقلابات التي تعد أكثر محاولات الوصول للحكم إثارة، بل تتعدى ذلك لظروف خاصة بتجربة الحكم في السودان. جرت محاولات سابقة للإطاحة بهذا النظام عسكرياً أشهرها ما عرف بانقلاب رمضان الذي حدث في بدايات حكم الإنقاذ وأعدم على إثره ثمانية وعشرون من ضباط المحاولة الفاشلة. وحاولت المعارضة الإطاحة بالنظام من خلال عمل عسكري بالتنسيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق وبمساندة من بعض دول الجوار. اجتاز النظام كل تلك العقبات الخطيرة بوحدة صفه ووحدة ووضوح عقيدته القتالية، إلا أن المحاولة الأخيرة هي المحاولة الأولى التي تأتي من داخل البيت حيث خطط للمحاولة ضباط إسلاميون أبلوا بلاء حسناً بكل المعايير التي يضعها النظام للبلاء والإقدام والتضحية. لم يكن الانقلاب بالطبع فكرة طرأت على ذهن هؤلاء الضباط وتضخمت خلال أيام قلائل، هي قطعاً نتاج سنوات من التراكم بعد الصبر على تجاوزات وأخطاء وسياسات، قد يصبر عليها المنتمي من باب أن الخطأ وارد في كل عمل أو باب الحفاظ على أسرار النظام أو وجوب النقد من الداخل وعدم كشف ما قد يفيد الأعداء، ولكن هذه الذرائع لن تصبح استراتيجية إدارة دولة، وكأن نجاح النظام يقاس بمدى قدرته على إخفاء الأخطاء بلا معالجة، ويعرف بداهة أن الأخطاء لا تعرف باعتراف النظام بل بنتائجها القاتلة التي تسير بين الناس. بعد أن فرغ النظام من تثبيت أركانه، لم تعد المعارضة العدو المشترك الذي يصطف كل أهل الحكم في مواجهته. وظهرت في الواجهة مسائل وإشكالات الدولة، وهي مرحلة تختلف كثيراً عن مرحلة مواجهة المعارضة حيث يكتفي النظام بالتعبئة واتهام المعارضة بالعمالة ومطالبة الشعب بالصبر لحين الفراغ من المعركة مع أعداء الوطن، ثم أتت مرحلة إشكالات الدولة التي تشبه الجهاد الأكبر، حينها لن تكون التعبئة والحماس أدوات إدارة الدولة، حيث ينتظر الشعب التنمية والخدمات الضرورية وما يتطلبه ذلك من حسن إدارة، لا تتم إلا بالتخطيط السليم والشفافية والمراجعة والمحاسبة، وقد غابت كل هذه الضرورات في إدارة الدولة، خاصة أن بعض أركان النظام اعتبروا التراخي والضعف بل والفساد مكافأة لهم على المجاهدات التي بذلوها في أيام الشدة. تضخم التراكم حتى أصبح جبالاً من الإحباط والحنق والخيبة، وزاد من عزلة النظام سيطرة دائرة ضيقة على شؤون الحكم كنتيجة طبيعية لغياب الديمقراطية داخل التنظيم الحاكم الذي تحول إلى شلة لم تستر سوءاتها مؤتمرات شكلية لحزب المؤتمر الوطني، وضاق ذرعاً بالشلة الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الفعل السياسي، فكان الانقلاب نتيجة حتمية لهذا التراكم. أدخل النظام نفسه في مأزق بالطريقة الإعلامية التي أعلن بها عن الانقلاب، وجه الاتهام لصلاح قوش بعد عمليات رصد لرئيس جهاز الأمن والمخابرات السابق، وهي عملية تكشف حرص بعض عناصر الجهاز على ترصد رئيسهم السابق وضبطه متلبساً، وكان في وجود العلاقة الشخصية بين صلاح قوش وقيادات النظام ما يتيح تسوية المسألة داخلياً، وبمواجهة تحرق صلاح قوش من دون الحاجة لهذا الترصد الذي أملته مواجد شخصية، إلا أن النظام وضع نفسه بحماقة أمام خيارين عسيرين: إما أن يقدم المتهم إلى محاكمة قد يضطر فيها لكشف أسرار خطيرة أو يضطر النظام إلى التراجع عن محاكمة المتهمين فتزداد صورة النظام اهتزازاً، وفوق كل ذلك تزيد المحاولة من عمق الشرخ الداخلي وتخلق حالة من فقدان الثقة بين أهل الحكم، وسوف يكون كل فريق موضع شك عند الفريق الآخر، وتنشغل كل مجموعة بتتبع تحركات الأخرى وحساب خطواتها وحركاتها وسكناتها وأنفاسها، وهو وضع يقوي بلا شك فرص المعارضة للانقضاض على النظام بثورة أو بصناديق الاقتراع التي لن تجد في المرة القادمة تدافعاً من جماهير المؤتمر الوطني التي ملًت صراعات الحزب. بهذه الحيثيات يمكن القول إن انقلاب (قوش) هو بداية النهاية لنظام الإنقاذ، لقد تحمل النظام من قبل تلاوم عناصره وعتب بل وغضب بعض عناصره بما فيهم النائب الأول علي عثمان الذي سافر من قبل مغاضباً إلى تركيا حتى ظن البعض أنه لن يعود، كلها حالات امتصها النظام، لكن المواجهة العسكرية بين إخوان الأمس حالة مختلفة وتعبير دقيق عن درجة الخلاف الخطير، ونقطة خصام مريرة وبعيدة لا يمكن العودة منها. كاتب سوداني
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...