طواحين الهواء!!
01 أغسطس 2015 , 07:36ص
في إفطار رمضاني أقامه وزير الخارجية المصري سامح شكري، لعدد من الكتاب والصحافيين، في الأسبوع الأخير من رمضان، وقف عبدالله السناوي أحد كبار الإعلاميين، ومن منظري المرحلة، ليقترح على الوزير آلية -اعتقد في سهولتها- تفيد في حرب الحكومة المصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين، عندما طالبه باللجوء إلى الجامعة العربية، لاستصدار قرار منها باعتبار الجماعة إرهابية، ورد عليه الوزير بأن الأمر في حاجة إلى دراسة، وما لم يقله الوزير أن الأمر جد صعب تمريره، وقد يكون مستحيلا في ضوء العديد من الاعتبارات:
الأول: أن هناك ثلاث دول عربية هي التي اتخذت قرارا من هذا النوع، وهي بالتحديد، مصر عن طريق حكم من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، فيه من السياسية أكثر مما فيه من القانون والقضاء، وشابه الكثير من الملاحظات، خاصة وأنه اعتمد على قرارات إحالة إلى القضاء، وأحكام غير نهائية، في قضايا ما زالت منظورة، يضاف إلى ذلك اعتمادها على أدلة وأسانيد، في معظمها تقارير صحافية منشورة. أما الدولة الثانية فالإمارات، والثالثة السعودية، التي لم تلغي القرار، ولكن جمدته بعد تولي القيادة الجديدة المسؤوليات في المملكة، والتصريحات واضحة للأمير سعود الفيصل وزير الخارجية الأسبق، قبل وفاته، بأن القوانين السعودية كفيلة بالتعامل مع أي مخالف من السعوديين لمقتضيات الأوضاع السائدة.
الثاني: وهو يترتب عما سبق، أن بقية الدول العربية لم تجد أن هناك سببا أصلا للسير في ذلك الطريق، وليس لديها ما يستدعي ذلك، خاصة أنه لم يثبت لديها ولم يتوافر لها أي أدلة على تورط جماعات الإسلام السياسي بها، في أي عمليات إرهابية، وهي نفس المواقف المعلنة من دول مهمة مهتمة بالجماعات الإرهابية في العالم، مثل الاتحاد الأوروبي وأميركا. والكل تحدث وفي تصريحات علنية بأنه لم يثبت لديها أي ارتباط بين جماعة الإخوان وأحداث الإرهاب، التي ظهرت في مصر مثلا، خاصة وأن هناك تنظيمات تعلن مسؤوليتها عن تلك الأحداث، مما يجعل محاولة الربط بينها وبين الإخوان المسلمين جزءا من الصراع السياسي الدائر حاليا.
الثالث: أن هناك تنظيمات من الإسلام السياسي، تمثل أعمدة رئيسية للأنظمة العربية، سواء كانت تلك التنظيمات جزءا من التنظيم العالمي للإخوان، أو قريبة منها، وبعضها يشارك في الحكم، سواء بوزراء أو أعضاء في المجالس النيابية، أو في مقاعد المعارضة، فقد فازت أحزاب مثل الحرية والعدالة في مصر، بالأكثرية في كل الانتخابات، التي خاضتها قبل حل مجلسي الشعب والشورى، وأحداث 3 يوليو، وتولى حزب العدالة والتنمية السلطة في المغرب ولا يزال، وجاءت جماعة النهضة ثانيا في الانتخابات الأخيرة في تونس، كما يظل بعض الأحزاب والتيارات المنتمية للإسلام السياسي، تمثل رقما صعبا في العديد من الدول، حزب العدالة والبناء في ليبيا، الإخوان المسلمون تيار مهم ضمن الائتلاف السوري المعارض لبشار الأسد، ناهيك عن الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي، التي مكنت جماعة الرئيس السوداني عمر البشير من الوصول للسلطة، قبل الانفصال عنها، وإقامة حزب المؤتمر. ناهيك عن حزب الإصلاح، وهو من أهم المكونات السياسية في اليمن، والذي أبلى بلاء واضحا في مقاومة تمدد الحوثي، خاصة في محافظات الجنوب، كما أن الإخوان كانوا أحد دعائم العرش الهاشمي في الأردن. والخليج ليس بعيدا عن ذلك، فهناك الحركة الدستورية في الكويت، والمنبر الإسلامي في البحرين. ولا يمكن حساب كل التيارات على جماعة الإخوان المسلمين. كما أن التاريخ يؤكد أن التنظيم يمثل مظلة جامعة، مع إتاحة الفرصة كاملة، لكل تنظيم في كل دولة، ليصيغ مواقفه وفقا لظروفه. بل التاريخ أيضاً يحدثنا عن موقف مهم، اتخذه إخوان الكويت، عندما جمدوا عضويتهم في التنظيم الدولي، عندما أيد الغزو العراقي للكويت، واعترضوا هم على ذلك القرار. ولعل التطورات الأخيرة في المنطقة، أعادت الاعتبار من جديد إلى الإسلام السياسي بمفهومه الواسع، على عكس التوجه المصري، والذي بدأ منذ 3 يوليو2013، خاصة فيما يتعلق بتوابع الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، واستمرار النهج الإيراني في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، بعد نجاح تلك السياسة في لبنان وسوريا والعراق واليمن من جهة، وتزايد مخاطر تنظيم داعش بامتداداته في عدد من الدول العربية، مع اختلاف قوته من دولة إلى آخرى، في سوريا والعراق وليبيا، وله تنظيمات أعلنت ولاءها له ومبايعته لـ»أبوبكر البغدادي»، في سيناء بمصر، واليمن وتونس، من خلال جماعة أنصار الشريعة، بالإضافة إلى وجود خلايا نائمة للتنظيم، كانت وراء عمليات إرهابية، استهدفت مساجد للشيعة في السعودية والكويت، وقد فرضت تلك التطورات، التخطيط والسعي إلى اصطفاف سني، تقوده الرياض لمواجهه الخطر الإيراني، وبدأ مبكرا من عملية عاصفة الحزم، وليس من المنطقي في تلك الحالة، استبعاد تيار الإسلام السياسي من ذلك الاصطفاف، باعتباره يمثل ثقلا جماهيريا قويا، وعاملا مهما في تلك المواجهة، كما أن المعركة مع داعش والتنظيمات الجهادية الأخرى، تحتاج إلى جهد تلك الجماعات الإسلامية، التي ترفض العنف، وتقبل بالديمقراطية، وتمارس العمل السياسي، من خلال المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان.
وتمثل تلك الأوضاع، مع استمرار التوجه المصري، لخوض معركة حياة أو موت مع التيار الإسلامي، ليس في الداخل فقط، بل بامتداداته العربية والدولية، مأزقا حقيقيا وعائقا أمام محاولة مصر استعادة دورها في المنطقة، خاصة في التعامل مع عدد من الأزمات، التي تفرض نفسها، ومنها الأزمة السورية، حيث ترفض مصر أي دور لتنظيم الإخوان المسلمين في التسوية السياسية، رغم أنها مكون رئيسي داخل الائتلاف السوري، ودور الجماعة في معارضة الأسد الابن والأب لا يمكن أن ينكرها أحد ودفعت أثمانا باهظة لذلك الموقف وحاولت خلق بديل له في مؤتمر المعارضة الأخير في القاهرة ولم تنجح في ذلك، نفس المنطق يمكن تطبيقه على الأزمة اليمنية فقد كان حزب الإصلاح أحد أهم المكونات في المقاومة الشعبية التي تشكلت لمواجهة تحالف الحوثي وجماعة علي عبدالله صالح وأحرزت انتصارا مهما بتحرير مدينة عدن. فالقاهرة ما زالت تبحث عن أي حل يستند كما ترى إلى تغييب الإصلاح عن المعادلة وهو أمر يبدو مستحيلا فهو القوة الأبرز على الأرض بعد الأزمة التي تواجه حزب المؤتمر بزعامة صالح الذي يشهد انقساما في قمته ونفس المأزق تعاني منه في الأزمة الليبية فهي تتحفظ على أي دور لحزب العدالة والبناء في ليبيا رغم أنه أحد المكونات الأساسية في أي تسوية في ليبيا ويزداد المأزق فيطل عدم قدرات الجماعات التي تعول عليها مصر في إنهاء الصراع لصالحها فالنظام السوري عاجزا عن تحقيق الانتصار ولا خليفة حفتر كما أنها لا يمكن نظريا أن تدعم الحوثي أو جماعة صالح وهي جزء من التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن كما أن فتح والسلطة الفلسطينية لم تستطع فرض نفوذها كل تلك السنوات على غزة والوجود الأكبر في القطاع هو لحماس. الأمر في النهاية يحتاج إلى مراجعة في السياسة الخارجية المصرية فهل تفعل القاهرة؟ لا أعتقد!