alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 48

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 25 أكتوبر 2026
الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة
رأي العرب 23 أكتوبر 2026
تقدير أمريكي لدور قطر في الوساطة
عبده الأسمري 25 أكتوبر 2026
شواهد الأدب ومشاهد الآداب

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

14 أكتوبر 2026 , 12:02ص

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد ترامب عام 2018؟ ماذا لو عادت واشنطن، بعد كل هذا التصعيد، إلى التفاوض حول تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي والعقوبات، فيما بقيت الصواريخ والمسيّرات والميليشيات خارج التسوية؟
ليست المشكلة في العودة إلى الدبلوماسية؛ فالحروب تنتهي إلى السياسة مهما طال أمدها. المشكلة أن تتحول الحرب إلى طريق مكلف نحو نقطة البداية. فنجاح المواجهة لا يقاس بحجم الدمار، بل بالفارق بين المعادلة التي اندلعت لتغييرها والمعادلة التي تتركها وراءها. وإذا كان الاتفاق المقبل سيعيد إنتاج حدود الاتفاق السابق، فماذا تغير، وما الذي استدعى كل هذه الكلفة؟

ما بعد الحرب يختلف عما قبلها
الخطأ الأول هو التعامل مع إيران اليوم كما لو أنها إيران التي تفاوضت مع جون كيري قبل أكثر من عقد. فقد تراكمت خبرتها النووية، وتطورت قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وتعرضت شبكات نفوذها الإقليمية لتحولات عميقة. كما تغيرت البيئة الأمنية في الخليج، بعدما أصبحت المنشآت المدنية والممرات البحرية جزءًا مباشرًا من حسابات الصراع. لذلك لا تكفي إعادة صياغة البنود القديمة بلغة جديدة؛ فالسياق الذي أنتجها لم يعد قائمًا.
حقق اتفاق 2015 إنجازًا محددًا. فقد خفض مخزون اليورانيوم المخصب، وفرض قيودًا على بعض أنشطة التخصيب، ووسع إجراءات الرقابة الدولية، وأطال المدة المقدرة لإنتاج مادة انشطارية تكفي لسلاح نووي. لكن الاتفاق صمم لمعالجة الملف النووي، لا لبناء تسوية شاملة لأمن الشرق الأوسط. وهذا التمييز ضروري لفهم إنجازه وحدوده معًا.
كانت المشكلة بالنسبة لدول الخليج أن الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، ودعم الجماعات المسلحة، والنفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بقيت خارج الالتزامات الأساسية للاتفاق. لم تكن هذه الملفات هامشية في حسابات الأمن الإقليمي؛ بل كانت مصادر تهديد يومية. وهكذا أمكن تقييد جزء من القوة الإيرانية، بينما ظلت أدوات أخرى متاحة للضغط والتصعيد.
راهن أوباما على أن تجميد جوانب من البرنامج النووي سيمنح الدبلوماسية وقتًا ويقلص خطر الحرب. لكن الوقت لا يعمل لمصلحة طرف واحد. ففي السنوات المحيطة بالاتفاق، واصلت إيران تعزيز حضورها عبر حلفائها وشبكاتها المسلحة.

واشنطن اشترت الوقت وإيران استثمرته
لقد حاولت واشنطن إبطاء الساعة النووية، لكنها لم تضع إطارًا مماثلًا لساعات الصواريخ والميليشيات والنفوذ الإقليمي. وحين دعا أوباما دول الخليج وإيران إلى التعايش وتقاسم الجوار، بقي السؤال بلا جواب: كيف يتحقق هذا التعايش بينما تمتلك قوة إقليمية نفوذًا مسلحًا داخل دول الجوار نفسها؟ لا يقوم الاستقرار على تقاسم مناطق النفوذ، بل على احترام سيادة الدول واحتكار مؤسساتها الشرعية للسلاح.
أي تسوية جديدة ستواجه اختبارًا يتجاوز أعداد أجهزة الطرد المركزي. فما مصير مخزون اليورانيوم المخصب؟ وما حدود التفتيش والتحقق؟ وكم تستمر القيود؟ وكيف يعالج الاتفاق احتمال انتهاكها أو الانسحاب منه؟ هذه ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها، بل الأسئلة التي تحدد ما إذا كانت التسوية ستخفض المخاطر فعلًا أم ستشتري هدنة قصيرة.
ثم الملفات التي لم يستوعبها اتفاق أوباما: أمن مضيق هرمز، وحرية الملاحة، والصواريخ والمسيّرات، والجماعات المسلحة العابرة للحدود. ولا يشترط جمعها جميعًا في وثيقة واحدة؛ فالمبالغة في شمول الاتفاق قد تجعله مستحيلًا. لكن الفصل بين المسارات التفاوضية لا يجوز أن يصبح إعفاءً من المسؤوليات. المطلوب التزامات متوازية، وجداول زمنية واضحة، وآليات للتحقق، تمنع تحويل التهدئة النووية إلى غطاء لاستمرار الضغوط الإقليمية.
ومن هنا تتضح مشكلة المقايضة المحتملة. فإذا حصلت طهران على تخفيف واسع للعقوبات مقابل قيود نووية مؤقتة، فيما بقيت أدوات الضغط الأخرى خارج أي معالجة، فقد ينتهي القتال دون أن تنتهي أسباب القلق. والأسوأ أن تصبح إعادة فتح الممرات البحرية واستعادة حركة التجارة الطبيعية إنجازًا سياسيًا مستقلًا، بعدما كانت هذه الحركة حقًا ينبغي ألا يخضع أصلًا للمساومة المسلحة.
والاختبار الحقيقي لا يتعلق بالنصوص وحدها، بل بقدرة الأطراف على تنفيذها تحت الضغط. فالاتفاق الذي يفتقر إلى آليات مستقلة للتحقق وإجراءات واضحة لمعالجة الانتهاكات سيعيد إنتاج أزمة الثقة نفسها. كما أن رفع العقوبات بصورة متسرعة قد يحرم المفاوضين من أدوات التأثير قبل اختبار الالتزام، بينما قد يؤدي الإبقاء عليها دون مسار واضح للتخفيف إلى تقويض الحوافز الدبلوماسية. المطلوب تدرج متبادل دقيق وشفاف يمكن قياسه، لا شيك سياسي مفتوح لأي طرف، ولا شروط تعجيزية تجعل استئناف الحرب النتيجة الوحيدة الممكنة.

الخليج ليس هامشًا في المفاوضات
لا يجوز أن يقتصر تحديد مستقبل أمن الخليج على تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة تستطيع التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكنها لا تستطيع وحدها صياغة قواعد الجوار أو ضمان أمن الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة الخليجية. الدول التي تحملت تداعيات المواجهة يجب أن تكون شريكًا في الترتيبات الأمنية الناتجة عنها، لا متلقيًا لنتائجها بعد توقيعها.
وهذا لا يعني دفع دول الخليج إلى الحرب أو منحها حق تعطيل أي تفاهم نووي. بل يعني إنشاء مسار إقليمي مواز يحدد قواعد عدم الاعتداء، ويحمي الملاحة، ويعالج التهديدات العابرة للحدود، ويجعل احترام السيادة التزامًا قابلًا للقياس. فالاستقرار لا يتحقق باتفاق أمريكي إيراني يترك الجيران أمام الوقائع نفسها التي سبقت الحرب.
هاجم ترامب اتفاق أوباما باعتباره صفقة معيبة، ثم انسحب منه وأعاد العقوبات، قبل أن تصل المواجهة في ولايته الثانية إلى الحرب. ولذلك لا يكفي أن يصف أي اتفاق جديد بأنه أفضل. عليه أن يبين، بأدلة قابلة للتحقق، ما الذي تغير في القدرات الإيرانية والضمانات الأمنية، وما الذي سيمنع تكرار انهيار التسوية.
قد يكون وقف القتال ضرورة عاجلة، حتى لو سبق الاتفاق الشامل. لكن إنهاء الحرب ليس مرادفًا لإنهاء الأزمة. فإذا كانت واشنطن قد انسحبت من اتفاق 2015 لأنه غير كاف، ثم خاضت مواجهة باهظة لتغيير المعادلة، فالسؤال الحاسم ليس هل عادت إلى الدبلوماسية، بل ماذا حققت لم يكن ممكنًا قبل الحرب؟ وإذا كانت الحصيلة قيودًا مؤقتة وعقوبات مخففة وملفات مؤجلة، فستكون المفارقة أن أمريكا احتاجت إلى حرب طويلة لتعود إلى الطاولة التي غادرتها بنفسها.

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...