


عدد المقالات 307
تعاملت وسائل إعلامية عديدة مع استقالة توني بلير من منصبه كمبعوث للجنة الرباعية لعملية السلام في الشرق الأوسط، باعتبارها خبراً مهماً يستحق التحليل والتعليق واستشراف ما وراءه. لكنها ظلّت مجرد «لا حدث» بامتياز، وإذا كان لها أي مغزى فهو أن رئيس الوزراء البريطاني السابق امتطى المنصب ليرتقي إلى مرتبة رجل أعمال ولما لم يعد يجد فيه فائدة، بل أصبح يضيّع وقته، قرر مغادرته. للتذكير فقط، كان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش من اقترح تعيين بلير وزكّاه إثر اضطرار حليفه البريطاني - الوحيد - في الحرب على العراق للاستقالة من رئاسة الوزراء. أراد بوش هذه «التنفيعة» لمكافأة بلير على تعاونه في تلفيق ذرائع أسلحة الدمار الشامل تبريراً لغزو العراق واحتلاله. كان يمكن بلير أن يكون مفيداً في المنصب، لولا أن طبعه الانتهازي هو الغالب. فالرجل ذو كفاءات عالية، ويعرف كيف يجتذب الخبرات ويستخدم أصحابها، كما أنه بارع في طرح أفكار جديدة وابتكار مبادرات. وبالنسبة إلى الشرق الأوسط كان هو من أقنع بوش عام 2004 بأن احتلال العراق يتطلّب إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإحداث شيء من التوازن في المنطقة. وعليه، تحرك بوش إلى شرم الشيخ والعقبة بهدف تفعيل «خريطة الطريق» التي كان أعلنها بعد الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية عام 2002 وعهد إلى «اللجنة الرباعية» (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) السهر على تطبيقها. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون آنذاك تولّى عرقلة تنفيذ «الخريطة»، وهي لا تزال معلقة على أي حال. كان مسؤول الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا هو مَن عمل كمنسق لـ «الرباعية»، وبعد تعيين بلير كمبعوث خاص لها عام 2007 ساد الظن بأن القوى الدولية تعتزم تنشيط دور هذه اللجنة. يعترف سولانا في أحاديث خاصة بأن أسوأ القرارات التي تبنتها اللجنة يتمثّل في ما يُعرف بـ «الشروط الأربعة» التي فرضت على حركة «حماس»، فهي لم تجعل «الرباعية» ممتثلة للإرادة الإسرائيلية - الأميركية فحسب بل منعتها من القيام بأي جهد سياسي إيجابي. وعندما تسلّم بلير المنصب لم يهتم بمعالجة هذا الخطأ، بل اعتبر أنه لا يعنيه، لأن وظيفته تتعلق بإحياء المفاوضات. وقد تزامن تعيينه مع أحداث داخل غزة (يونيو 2007) أطلقت سلسلة مباحثات دولية أسهم فيها بلير، وأدّت في نوفمبر من ذلك العام إلى عقد مؤتمر أنابوليس بغية تفعيل جديد لـ «خريطة الطريق»، وهي لا تزال معلّقة حتى الآن. بعد هذا المؤتمر لم يسجّل أي نشاط يذكر لـ «الرباعية» ولا لبلير، الذي كان يسافر كثيراً ويقابل جميع قادة الدول العربية موحياً بأنه يعمل، لكن سرعان ما بدأت أخباره تفاجئ الصالونات السياسية، فالرجل يبدأ لقاءاته عالية المستوى بشيء من الكلام عن أوضاع الفلسطينيين لكنه يخصص معظم الوقت للحديث في مشاريع بزنسية، بعضها يخصّه وبعض آخر يجري فيه اتصالات لمصلحة شركات كبرى ويعقد صفقات أو يحصل على «تسهيلات»، وفيما كان يجد اهتماماً لدى بعض القادة فإن بعضاً آخر منهم صار يتهرب منه ويحيله على الوزراء والمساعدين. لكن الشركة الخاصة للاستشارات التي أنشأها بلير نالت عشرات العقود، كما تشهد الصحافة البريطانية التي لا تفوّت فرصة للتذكير بـ «عار العراق» الذي يلاحقه، ولا تهتم إلا بأخبار إثرائه السريع والمتنامي، ومناسباته الاجتماعية الباذخة كاحتفاله بعيد ميلاد زوجته خلال الصيف الماضي فيما كانت غزة تئن تحت النار والدمار، فضلاً عن إبرازها نبأ قبوله أن يكون مستشاراً اقتصادياً للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وحين أعلنت «الديلي تلجراف نبأ استقالة بلير قالت: إن مصالحه التجارية «أصبحت مثار جدل متزايد»، مشيرة إلى أن دور «الرباعية» جرى أخيراً تهميشه. الواقع أن هذا الدور تعرّض للتهميش منذ زمن. فـ»الرباعية» مجرد اسم للجنة وهمية تجتمع مرة أو مرّتين في السنة، لم يسجّل لها أي إنجاز في المهمة التي أنشئت لأجلها، بل سجلت لها بيانات كان معظمها منحازاً لإسرائيل. أما بلير الذي لم يفعل شيئاً في العامين الأولين بعد تعيينه، فقد ظهر مع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم، ليطرح خططاً اقتصادية ظاهرها يهدف إلى تحسين أوضاع الفلسطينيين وغرضها الحقيقي الترويج لأطروحات نتنياهو عن «السلام الاقتصادي». وبعد استقالته لم يتلقَّ بلير الشكر إلا من جهتين، نتنياهو و»الرباعية». وقد تمنّى الأول أن يستمر بلير مستقبلاً في وضع خبرته «في خدمة السلام والاستقرار الإقليمي»! كان واضحاً أن بلير لم يجد في «الرباعية» أي طموح سياسي، لذا فاجأ الأوساط البريطانية عام 2009 بترشيح نفسه لمنصب مستحدث هو «رئيس الاتحاد الأوروبي». وقد أدّى هذا الترشيح إلى تكتل أوروبي ليس فقط لإفشاله بل لانتزاع صلاحيات من هذا «الرئيس» بعدما كانت نالت موافقات سابقة، فاضطر عندئذ لسحب ترشيحه. وفي تلك المناسبة أثيرت سمعته السيئة بسبب «عار العراق» واستغلاله منصبه في «الرباعية» لأعماله الخاصة. والآن، بعد الاستقالة، احزروا ما الذي يخطط له بلير؟ يريد أن يهتم بما يسميه «الدبلوماسية الإقليمية»، كيف؟ بـ «تقوية العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي»، أي أنه سيمزج البزنس بتسويق إسرائيل عربياً. وهذه على ما يبدو سوق لها زبائن كثر، بدليل أن بلير يعمل كأحد الدلالين فيها.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...