الاختيار المر..!
31 ديسمبر 2015 , 01:24ص
الخيارات محدودة في الأزمة اليمنية، حتى بعد أن شهدت جنيف جولة مباحثات ثانية بين وفدي الشرعية وتحالف الشر المكون من أنصار علي عبدالله صالح وجماعة الحوثي، كانت نتائجها وباعتراف المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ محدودة، بعد أن أبدى هو شخصيا تفاؤلا حذرا، كما أن ما تم الاتفاق عليه لم يأخذ طريقه للتنفيذ، رغم مرور أكثر من نصف شهر على إقراره سواء بالتوصل إلى تشكيل لجنة عسكرية، تشرف على وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف، حتى في تلك الفترات التي تم التوافق فيها على ذلك برعاية الأمم المتحدة، وبقرار من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، قبل المفاوضات ولتسهيل عمل المفاوضين، وهو الحال نفسه مع الاتفاق الثاني، حول الإشراف على بقاء ممرات آمنة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، خاصة مدينة تعز التي تعاني من الحصار اللاإنساني منذ عدة أشهر، وهو ما لم يتم أيضا، ويكفي شاهدا على ذلك الصورة التي تم نشرها مؤخرا عن تهريب المواد الغذائية فوق الدواب وعبر مناطق جبلية وطرق ترابية، وهي تمثل حجم المأساة التي تعيشها مدينة الـ4 ملايين يمني، والتي تمثل عمق اليمن الثقافي، ومنطلق المشروع الوطني.
ومن الآن وحتى 14 يناير على دول التحالف العربي أن تتعامل مع الخيار الأسوأ، وهو استمرار العمليات العسكرية وليس العكس. رغم كل ما ظهر من مواقف خليجية تنم عن رغبة في إغلاق ذلك الملف، وإنهاء العمليات العسكرية، ومن ذلك تأكيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في خطابه أمام القمة الخليجية التي استضافتها العاصمة الرياض، أو في البيان الختامي لها أو في كلمته في افتتاح مجلس الشورى، بالسعي نحو الحل السياسي للأزمة اليمنية، والشواهد على تعنت الحوثي وصالح أكثر من أن تعد أو تحصى، ومن ذلك استخدام كل أساليب المناورة والخداع وكسب الوقت وإهداره من خلال المشاركة في التفاوض سعيا لكسب شرعية موازية للحكومة، دون أدنى رغبة في التوصل إلى نتائج حقيقية، ومن ذلك عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه مع المبعوث الأممي، حول إجراءات بناء الثقة بين الطرفين، والتي تضمنت تحسين الوضع الإنساني، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية، وإنعاش الاقتصاد وإطلاق المعتقلين ووقف إطلاق النار.
وكانت المفاجأة المذهلة -ليس لوفد الحكومة فقط بل للأمم المتحدة- حجم المغالطات التي استخدمها وفد التمرد الحوثي وصالح بنفي وجود حصار أصلا على تعز، مما استلزم تدخل الوفد الأممي الذي استنكر ذلك الطرح الذي يكذبه شهادات منظمات دولية تعمل في مجال الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وتقارير منظمات المجتمع المدني اليمني نفسها، والتي أشارت إلى الوضع اللاإنساني للمدنيين في المدينة المحاصرة، وتغير الطرح من المغالطات إلى المقايضة، بعد أن سقطت الأكاذيب، وبدأ الوفد في المطالبة برفع الحصار عن ميناء الحديدة، مقابل إنهاء حصار تعز، رغم أن المقارنة غير صحيحة، فليس هناك حصار على الحديدة سوى في منع تهريب الأسلحة والذخائر إلى جماعة الحوثي وصالح وفقا لقرار دولي، أما بقية المواد فمتاحة والحركة في ميناء الحديدة في نقل البضائع تسير على قدم وساق، وكان للأمم المتحدة هذه المرة دور بارز في التصدي لأكاذيب وفد التمرد، وبعدها بدأت لغة التهديد والوعيد على لسان مدير مكتب عبدالملك الحوثي، مهدي المشاط الذي توعد بسحق مدينة تعز، ردا على الاهتمام الذي أبداه الوفد الحكومي بإنهاء الحصار عن المدينة.
لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل وصل إلى درجة رفض المطلب الخاص بالبحث في إغلاق ملف الأسرى والمعتقلين، كجزء من إجراءات بناء الثقة، والبداية كانت من الخمسة الكبار، وهم اللواء محمود الصبيحي وزير الدفاع، واللواء منصور هادي شقيق الرئيس اليمني، والعميد فيصل الأشول وزير التعليم الفني، والقيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان، والعميد فيصل رجب، وكان وفد الحكومة اليمنية -ولديه كل الحق- يعتقد أن الأمر سهل وميسور، خاصة أنه منصوص عليه في قرارات دولية، ولكن التعنت الحوثي كان عائقا في التوصل إلى أي خطوة إيجابية في هذا الاتجاه، حتى بالكشف عن الظروف الإنسانية التي يتم فيها الاعتقال، ناهيك عن توفير الاتصال بينهم وبين ذويهم للاطمئنان عليهم.
ولعل ما سبق هو مصدر تشاؤم المراقبين، من إمكانية التوصل إلى أي نتيجة أو حل، في جولة المفاوضات القادمة إذا انعقدت كما هو مقرر لها في منتصف شهر يناير الحالي، فالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في هذا المجال، إذا كان تحالف الحوثي وصالح يرفضان مجرد السير في طريق إجراءات بناء الثقة، وهي محدودة تماما فماذا عن مضمون القرار الأممي 2216، أو حتى بنود جدول أعمال المفاوضات الموافق عليه من الطرفين، وبضمان المبعوث الأممي، والذي يتضمن عودة اليمن إلى مسار الانتقال السياسي المنظم، انطلاقا من القرار 2216، والتوصل إلى وقف دائم ومستديم للعمليات العسكرية، وإعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى الدولة، وكذلك إعادة سيطرة الحكومة على مؤسسات الدولة، واستئناف عملها بشكل كامل، ناهيك عن نوع آخر من المخاوف، وتتعلق بفرض التوصل إلى نتائج فمن يضمن الالتزام بها، خاصة أن التجربة أثبتت أن الطرفين الحوثي وصالح في زمن سابق وفي ظل الحروب الستة التي خاضوها منذ عام 2003 لم يلتزما أبداً بأي اتفاق تم التوقيع عليه بينهما.
نحن أمام مسعى لم يعد خافيا على أحد، من رغبة علي عبدالله صالح في تدويل القضية، ودفع الروس دفعا إلى التدخل العسكري في المعارك الدائرة هناك، على غرار تجربتهم في سوريا، وهو المطلب الذي تقدم به أكثر من مرة، خلال زياراته للسفارة الروسية في العاصمة صنعاء، ومن خلال مباحثات ابن شقيقه في العاصمة موسكو، ناسيا أن اليمن ليس بالأهمية الاستراتيجية لموسكو كما هو الحال في سوريا، كما أن هناك خلافا جوهريا بين أزمة البلدين، فإذا كان مبرر روسيا للتدخل في سوريا هو مواجهة داعش فماذا عن اليمن؟! هل ستواجه موسكو دول الخليج مع تنامي المصالح الاقتصادية بين الطرفين، أما الحوثي فخططه واضحة وهي تحويل القضية اليمنية إلى جزء من الصراع الإقليمي، باعتباره هو نفسه ضمن المخطط الإيراني للهيمنة، وفرض النفوذ والسيطرة على دول المنطقة العربية، ووصل الأمر إلى وجود مستشارين إيرانيين بالقرب من وفد صالح والحوثي في جنيف، كان يتم الرجوع إليه والاستفادة من خبراتهم التفاوضية.
ولعل المشكلة الحقيقية تتعلق بعدم شعور الحوثي وصالح بفشل مشروعهما في اليمن، وتمرير مخطط الانقلاب على الشرعية، طالما ظلت العاصمة صنعاء في أيديهم، رغم كل الهزائم التي تكبدوها في الأشهر الماضية، من عمر عاصفة الحزم، والنجاحات التي تحققها قوات التحالف العربي يوما بعد يوم، والتي أصبح عليها عبء استمرار العمليات العسكرية، وحسم معركة صنعاء، وهو ليست صعبة أو مستحيلة، وأعتقد أن المخاوف من فاتورة سقوط ضحايا من المدنيين، قد تكون وراء تأجيل تلك المعركة، والإعلان عن إدخال 300 هدف عسكري ومنشأة حيوية، ضمن أهداف الإسناد الصاروخي للقوات التابعة لصالح والحوثي.
usama.agag@yahoo.com •