قوانين سيئة السمعة..!
31 أكتوبر 2013 , 12:00ص
عاشت حكومة الدكتور حازم الببلاوي في مصر، تحت وهم قدرتها على القضاء، على أي صور لمعارضة انقلاب 3 يوليو في مصر، واستئصال وجود التيار الإسلامي المعارض للوضع الحالي، بكل الوسائل والأدوات القمعية، عن طريق الأمن وأجهزة الشرطة، وحملة اعتقالات لم تشهدها مصر منذ سبتمبر عام 1981، في أيام الرئيس السادات الأخيرة، أو بالتشويه عن طريق الإعلام، واستخدام تأثير السلطة التنفيذية على القضاء، فلم تفلح.
توقعت أن تتمكن من استعادة الهدوء، واستتباب الأمن، بالعودة إلى ترسانة القوانين المقيدة للحريات، ومنها إعلان حالة الطوارئ، وفرض حالة حظر التجول، فاستمرت المظاهرات شبه اليومية، في العديد من المدن والقرى، وما زالت تمنع السير أو التجمعات في ميادين مشهورة، خوفا من تكرار تجربة اعتصام رابعة العدوية والنهضة، فإذا بالجامعات المصرية تنتفض، مطالبة بالقصاص لشهدائها من الطلبة، والإفراج عن معتقليها، والعجيب أنها هي من حددت مهلة الثلاثة أشهر وفقا للإعلان الدستوري، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، ويتم اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي، إذا رغبت الحكومة في تمديده فترة أخرى، فإذا هي أمام معضلة سياسية، وأزمة قانونية، خاصة أن مهلة الأشهر الثلاثة ستنتهي منتصف الشهر الحالي، والخيارات أمامها محدودة للغاية، وكلاهما مر وصعب.
الأول: بدأ الترويج له بين ترزية القوانين، من المستشارين من معارضي التيار الديني، ومن سدنة المؤسسة العسكرية، وعبدة البيادة، وفي المقدمة منهم تهاني الجبالي، ولها ثأر خاص مع الإخوان، والدكتور محمد نور فرحات، الذي يبيع كل تاريخه النضالي من أجل الحريات، حيث يطالب أصحاب هذا التيار بإجراء تعديل في الإعلان الدستوري، يحق من خلاله استمرار حالة الطوارئ، إلى ما شاءت الحكومة وأجهزتها الأمنية، على أساس أن الدولة تخوض معركة ضد الإرهاب، والأمر في رأي هؤلاء سهل وبسيط، مجرد تعديل في الإعلان الدستوري، الذي لم يتم احترامه من واضعيه، والبداية كانت من لجنة الخمسين، المكلفة بإجراء تعديلات في الدستور، فإذا بها تضع دستورا جديدا، كما أن اللجوء إلى الاستفتاء في هذه الأيام رفاهية، ونتائجه غير مضمونة، خاصة أن البلاد تستعد لإجراء حول الدستور خلال الأسابيع القادمة، وأصحاب هذا التيار لا يضعون في اعتبارهم، أي قيمة للقوانين، أو الدستور المعطل، أو حتى المجتمع الدولي، الذي لم يقبل حتى تلك اللحظة، بالانقلاب في مصر. والدليل على ذلك التصريحات الأخيرة لكاثرن أشتون مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، والذي دعت فيه الحكومة إلى رفع حالة الطوارئ في أقرب وقت ممكن، والإفراج عن المعتقلين، ورد عليها رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي، قائلا لا نية لدى الحكومة لتمديد حالة الطوارئ السارية حاليا في البلاد.
الثاني: اللجوء إلى القوانين سيئة السمعة، والمطروح منها اثنان، الإرهاب والتظاهر، وكانت مصر قد انتهت من العديد من القوانين من تلك النوعية بعد ثورة 25 يناير. ولكن حكومة الانقلاب تلجأ إليها من جديد، لمواجهة حالة الرفض المستمر للانقلاب، في الشارع والجامعات، واستمرار المظاهرات والمواجهات، والتي أوقعت العشرات من الضحايا، بعد فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، كما أنها تواجه تحديات كبيرة، خاصة أن الفترة القريبة القادمة، ستشهد محاكمة قيادات جماعة الإخوان المسلمين، والدكتور محمد مرسي، وهناك مخاوف من مظاهرات ومواجهات عنيفة بين قوات الأمن وأنصاره، من تحالف دعم الشرعية، وعناصر الجماعة وأعضائها، لدرجة أن الحكومة الحالية، ما زالت حتى اليوم، تمنع وصول قطارات الوجه القبلي إلى القاهرة، ولم يتم تشغيل قطارات الوجه البحري سوى من فترة بسيطة، خوفا من تدفق الآلاف من مدن الصعيد، للمشاركة في التظاهرات المتوقعة، أثناء فترة المحاكمات، التي ستطول في ظل تعدد التهم، وتقسيمها إلى قضايا مختلفة، لكل منه محاكمة خاصة، دون أي اعتبار لمصالح الجماهير، التي تأثرت نتيجة توقف حركة القطارات.
والغريب هي حالة الرفض الكامل لمشروعي القانونين، من أحزاب وتيارات وقيادات، هي أطراف رئيسية في الحكومة، ومشاركة في الانقلاب. ولكنها تدرك أنها ستحترق بنار تلك القوانين، ومنهم الدكتور زياد بهاء الدين وهو نائب رئيس الوزراء. ومنير فخري عبدالنور وزير الاستثمار، وهما معا أعضاء في لجنة شبه حكومية، لدعم المسار الديمقراطي؟ رفضت مشروع القانونين. وقد تردد أن خلافات شديدة سادت مجلس الوزراء، عند مناقشتهما، وتصدى وزير الداخلية للمعارضين من الوزراء، وقد دفعت المعارضة غير المتوقعة لتلك القوانين الحكومة، إلى إجراء تعديلات عليه، وطرحه على الحوار المجتمعي، ودراسة تلك التعديلات في مجلس الدولة، قبل إصداره. ومن بين تلك التعديلات، رفع مدة الإخطار المسبق من 24 ساعة إلى أسبوع، لأي تظاهرة أو تجمع. وتحديد ثلاث مراحل، لمواجهة قوات الأمن للمتظاهرين، إذا تم اللجوء إلى العنف، ومنع المبيت أو الاعتصام في أماكن التظاهر، وقد زادت المعارضة للقوانين حتى من أحزاب محسوبة على النظام الحالي، والتي انتقدت قانون التظاهر، ووصفته 17 منظمة حقوقية بأنه قانون قمعي، ويرسخ فلسفة الطوارئ، فإنه سيحولها إلى حالة دائمة. وطالبت بالعمل على إصلاح أجهزة الأمن، وتعديل قانون الشرطة، مشيرة بأن استمرار المظاهرات والإضرابات المتعاقبة منذ سنوات، تعبير عن أزمات سياسية واقتصادية، يجب التعاطي معها، بعيدا عن الحلول الأمنية، والتشريعات القمعية. كما استحدث القانون تعريفا جديدا للدفاع الشرعي، يتيح استخدام القوة المميتة، وهو الدفاع عن الممتلكات العامة. ويقارن البعض بين المشروع الذي تم إعداده، وكان معروضا للمناقشة أمام مجلس الشورى، في عهد الدكتور محمد مرسي قبل احتجازه، وحل المجلس الذي كفل للمواطنين حق الدعوة إلى التظاهر، وتنظيمها، والانضمام لها، ويكون للمتظاهرين الحق في التعبير الحر عن آرائهم ومطالبهم، مستخدمين في ذلك كل الوسائل المشروعة، على أن يشكل وزير الداخلية، لجنة في كل محافظة برئاسة مدير الأمن، تتولى مع منظمي المظاهرة، الاتفاق على الضوابط والضمانات الكفيلة بتأمينها، وحماية الأرواح، والممتلكات العامة والخاصة، وحظر مشروع القانون القديم على الشرطة، استخدام القوة في تفريق المظاهرات، إلا في الحالات المقررة في قانون العقوبات، وقانون هيئة الشرطة، أو بناء على أمر من قاضي الأمور المستعجلة، كما يرى البعض أنه ليس من الضرورة أصلا، صدور قانون الإرهاب، خاصة أن قانون العقوبات المصري، يتضمن في مادته الـ86 الجريمة الإرهابية، وتعريفها، وصورها، وأركانها، ومن الواضح أن القوانين الجديدة، سواء التظاهر والإرهاب، يتم تفصيلهما، على التيار الإسلامي دون غيره، وأنه جزء من الصراع الدائر الآن بين الحكومة وتلك الجماعات.
ويبدو أن الحكومة في عجلة من أمرها، في إصدار تلك القوانين، دون انتظار. رغم أنها تدرك تماماً أنها حكومة مؤقتة، وغير منتخبة، وتم تشكيلها بناء على انقلاب، رغم أن بعض أعضائها والعقلاء منهم والأحزاب المؤيدة لها، مع ضرورة الانتظار، حتى إجراء الانتخابات النيابية القادمة، وانتخاب مجلس نيابي، يتم خلاله مناقشة مثل هذه القوانين وإقرارها، والتيار الغالب في أواسط النخبة الحاكمة، مع سرعة إصدارها، على أن يتم عرضها على المجلس القادم.