الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
10:22 م بتوقيت الدوحة

حمدوك والمعادلة بين الديمقراطية والمشروع الوطني الجامع

عادل إبراهيم حمد
وقفت بصفة خاصة في المؤتمر الصحافي الأول لرئيس الوزراء الجديد عبدالله حمدوك عند ملاحظة مهمة ورأي سياسي ذي صلة بالملاحظة، لكنهما وردا في حديث د. حمدوك متباعدين، رغم ما بينهما من ربط وثيق، فاختلت المعادلة. الملاحظة التي أوردها رئيس الوزراء هي «منذ الاستقلال لم ننجح كسودانيين في خلق المشروع الوطني الذي يوحدنا كلنا»، وهي حقيقة يكملها ذكر ما حال دون تحقيقها. جاء إكمال المعادلة في ثنايا العبارة الجامعة التي قالها رئيس الوزراء في سياق آخر: «الديمقراطية لا يمكن تعلّمها من خارج ممارستها». عند الربط بين الملاحظة وهذا الرأي الذي يجمع بين السياسة والفكر ندرك أن الذي أعاق تحقيق المشروع الوطني الموحد للسودانيين هو انقطاع هذه التجربة التي تنضج وتكتمل من داخلها، فنخطئ ونصيب لنتعلم ونرتقي، أي أن (نقع ونقوم في الدرب ده)، كما قال حمدوك وهو يشرح فكرة تعلم الديمقراطية من خلال الممارسة. إن التأكيد على ضرورة التعلم من خلال الممارسة يعني بكل تأكيد أن الانقلابيين الذين قطعوا استمرارية التجربة قد ارتكبوا في حق الوطن خطيئة لا تغتفر، وأنهم هم الذين أعاقوا خلق المشروع الوطني الذي تحدث عنه رئيس الوزراء، لكن رغم وضوح هذه الحقيقة الناصعة، نجح الانقلابيون من اليسار واليمين في تغبيش الرؤية، فجعلوا نصيب الأحزاب الجماهيرية الكبيرة المرتضية بالديمقراطية مساوياً لنصيب الانقلابيين في تعطيل المشروع الوطني الكبير.
كانت البداية أن أشاع الانقلابيون من اليسار واليمين -بكل صلف- امتلاكهم أفكاراً متقدمة تعجز عن استيعابها الأحزاب الرجعية الطائفية، حسب وصف العقائديين لتلك الأحزاب. وسخّروا لهذه الدعاوى حملات إعلامية ضخمة حتى بدا للكثيرين أن الأحزاب الكبيرة الموصومة بالطائفية تدير البلاد بـ «دراويش» تأتي بهم من الموالد والتكايا.
ولما فشل الانقلابيون فشلاً ذريعاً في تقديم بديل للحكم الديمقراطي وولغوا في الفساد والدم، سارعوا بلا أدنى حياء للفرية العجيبة أن كل القوى الوطنية شريكة في مصيبة السودان! فكان هذا الخلط المضلل سبباً في المساواة بين المؤمنين بالديمقراطية والمتنكرين لها، ومن ثم في تراجع حقيقة أن الديمقراطية -بطبيعتها الرحبة- هي النظام المؤهل لأن يتخلق داخله المشروع الوطني الكبير.
لا بد أن تجد الأجيال المتأخرة تفنيداً للدعاوى التي ساقها الانقلابيون لتبرير إقدامهم على الإطاحة بالديمقراطية، ويكون ذلك بالمقارنة بين أخطاء النظام الديمقراطي وما وقعت فيه الأنظمة المستبدة من أخطاء أخطر حين عمدت إلى ما اعتبرته تصحيحاً لأخطاء النظام الديمقراطي.
لعل أبرز دعاوى الانقلابيين في مايو 1969 لتبرير انقلابهم القرار الخاطئ بحل الحزب الشيوعي في الديمقراطية الثانية. ويفنّد هذا الادعاء أن الحزب الشيوعي قد استطاع تجاوز قرار حله بالاستفادة من تدابير الديمقراطية، فالتف على القرار وجعله كأن لم يكن، موظفاً أجواء الديمقراطية من حريات مكّنت الحزب من إدارة معركة مضادة خارج الجمعية التأسيسية أفرغت قرار الجمعية من مضمونه. وليس أدل على ذلك من أن السكرتير العام للحزب الشيوعي (المحلول) عبد الخالق محجوب قد فاز في انتخابات عام 1968 رغم قرار الحل. ولم يكن قرار المحكمة الشرعية بردة الأستاذ محمود أقوى أثراً من قرار حل الحزب الشيوعي، لكن ماذا حدث لعبد الخالق ومحمود محمد طه في عهد التقدمية والأفكار الحديثة؟
لقد أعدم الرجلان في العهد الذي راهنا على أفضليته، غير منتبهين إلى أن النظام المتنكر للديمقراطية لا يمنح مساحة للاختلاف، فهو نظام أحادي قد يتحكم فيه تنظيم واحد، بل وفرد واحد، لا يسمح بصراع الأفكار ولا بتكاملها حتى حول مسألة عادية، دعك عن خلق مشروع وطني كبير يتوحد حوله السودانيون. وبالسيناريو ذاته لاقى د. حسن الترابي من التضييق والإساءة من أركان النظام الدكتاتوري الذي أتى به، ما لم يجده من خصومه في العهد الديمقراطي.
إن فكرة المقال الجوهرية هي أن خطة الانقلابيين مدعي الحداثة للهروب من تداعيات انقلاباتهم المخزية التي قادت خيرة أبناء الوطن للمشانق، هي بذل كل جهد ممكن للمساواة بين أخطاء الانقلابيين القاتلة وأخطاء الديمقراطية التي يمكن تداركها. وهي خطة تؤدي في الخطوة التالية لإظهار الديمقراطية وكأنها لا تتفوق تفوقا بيناً على الأنظمة الشمولية، فيسقط تلقائياً الربط بين تأخّر تحقيق المشاريع الوطنية الكبرى وغياب الديمقراطية، النظام المؤهل دون غيره لإنجاز هذه المشاريع تحت مظلته.