


عدد المقالات 307
كان الأوروبيون يعرفون أن هذا الصيف سيكون موسم الهجرة «غير الشرعية» الأكثر سخونة، تحدّثوا عنها كثيراً وتوقّعوه، قالوا إن احتمالات الهلاك أكبر في الشتاء بسبب البرد والأنواء؛ لذا استعدوا للصيف، تخاصموا حول السياسات والإجراءات، وكان يهمهم أن لا يُحرجوا بمزيد من الغرقى في البحر، فأغلقوا الموانئ وكثّفوا الرقابة البعيدة عنها في استشراف مبكر للوافدين. لكنهم فوجئوا بأن عصابات التهريب التفّت على الموانع واكتشفت الثغرات فغيّرت الخريطة متخلية عن الوجهات التي تقصدها عادةً. فجأةً أصبحت الشواطئ اليونانية أو حتى الصخور القريبة منها محطة لتفريغ حمولة القوارب المتهالكة من آلاف البشر اليائسين المعدمين، الذين أنفقوا كل ما لديهم أو كل ما ادخروه من أجل موطئ قدم على أي قارب يقلّهم إلى مغامرة العيش الآمن. مع ذلك قضى بضع مئات الهاربين من كل مكان، تحديداً من سوريا والعراق، ومن إفريقيا وحتى من أفغانستان التي يصعب تخيّل المحطات التي مرّ بها مهاجروها ليبلغوا أخيراً الفردوس الأوروبي الموعود. وفي يوم واحد اكتشفت عشرات الجثث لعائلات سورية بأطفالها ونسائها ورجالها مختنقة في شاحنة مغلقة ومتروكة على جانب طريق سريع في التمسا، فيما ابتلعت مياه المتوسّط مئة أبحر بهم القارب من مكانٍ ما -غير مجهول- على الشاطئ الليبي. قبض المهربون وحماتُهم وعملاؤهم العمولة مسبقاً وتركوا مصير ركابهم للأقدار. هذا التهريب لا ينفكّ يتمأسس، فهو ليس مطلوباً فقط وليس له زبائن كثيرون ومتزايدون فحسب، بل أصبحت له مكاتب ومقار يقصدها المحتاجون كما لو أنهم يرتادون المكاتب العادية للسفر والسياحة. والمهرّبون ليسوا معروفين فحسب، بل إن لديهم وكلاء يقصدون مخيمات اللاجئين أو يرابطون على الحدود لاصطياد الزبائن. وفي الآونة الأخيرة صارت لديهم «خدمات» مدفوعة طبعاً تتولّى تسهيل إخراج الراغبين من داخل سوريا والعراق وإيصالهم إلى الأمكنة التي ينتظرون فيها ساعة الرحيل. هذا الصيف تحوّل إلى ملحمة إنسانية وتحوّل معها البحر الأبيض المتوسط إلى بؤرة حافلة بالمآسي، بالمغامرات الفردية، وفيما سمّاه البعض القبر الأبيض المتوسط فإنه كان شاهداً أيضا على التمسّك بالحياة والإصرار على تحصيل الحد الأدنى من الأمان والكرامة، لكنه الصيف الذي ستتذكّر فيه أوروبا أن لها حدوداً مع الشرق المشتعل وتشمل تركيا واليونان وبلغاريا ودول البلقان، وأنها لم تفطن إلى «إغلاقها» فدهمها سقوط الحواجز الحدودية. قال رئيس هنغاريا: إن «بلادنا تتعرّض للغزو» كي يبرّر إقامة جدار/سياج شائك لمنع عبور الهاربين لكن الكثيرين منهم عبروا. وفي عواصم استلهم مسؤولون فظاظة دونالد ترامب، المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، ليقولوا إن ما على هؤلاء القادمين سوى أن يعودوا من حيث أتوا فهم غير مرغوب فيهم. ارتبك معظم الحكومات الأوروبية أمام واقع مرير لا يستنهض إنسانيتها فحسب بل يستوجب التعامل معه. لم تنسَ أي منها الوعود التي قطعتها لمكافحة الهجرة «غير الشرعية»، ولم تنسَ الصعود غير المسبوق للعنصرية (تحديداً ضد المسلمين) أقوالاً وأفعالاً إلى حد باتت معه مراكز تجميع اللاجئين معرضة لهجمات، لكنها أخذت علماً أيضاً بوجود مبادرات لمنظمات وناشطين رأوا أن مساعدة المهاجرين واجب أخلاقي. الواقع أنه لم يعد مهمّاً أن تسمّى «غير شرعية»، فلهذه الهجرة ما يبرّرها ويشكّل قوة دفع لها، أي أنها اكتسبت إلى حدٍّ ما شرعيةً كان ثمنها بضعة آلاف ممن قضوا في طريقهم إلى البر الأوروبي. وقد يكون التعرّف إلى الخاصرة الرخوة للقارة القديمة (دول البلقان الست، صربيا والبوسنة والجبل الأسود ومقدونيا وألبانيا وكوسوفو) متأخّراً، ولن يفيد الضغط على الحكومات كي تتشدّد في صد المهاجرين، فحكومات الاتحاد الأوروبي نفسها لم تستطع الاتفاق على سياسة موحّدة، كما شكا وزير الخارجية النمساوي خلال «مؤتمر غرب البلقان» للبحث في الأزمة المتصاعدة. في خضم الانشغال باستقبال المهاجرين قيل القليل عن الأزمات والصراعات التي دفعت بهم إلى خارج بلدانهم، وقيل الكثير عن «التوزيع العادل» بين أنحاء أوروبا، غير أن المهاجرين أنفسهم يعرفون الوجهة التي يفضّلونها، إنها ألمانيا، وتأتي بعدها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا؛ لذا أصبحت الدول الأخرى مجرد ممرات للعبور. بدت مطالبة وزير الداخلية الألماني بالتصدّي «بصورة حاسمة» لأنشطة مهربي اللاجئين غير مسموعة، مع أنها قبل أسابيع كانت من أبرز الأهداف التي حددتها الحكومات. لكن كان لافتاً أن النمسا، التي تخوّفت من كون معظم اللاجئين يأتون من «مناطق داعش»، شدّدت على ضرورة «إقامة حماية آمنة وعازلة» لهم في بلدانهم. وهذا يعيد طبعاً طرح التساؤلات عن أسباب إخفاق المجتمع الدولي أولاً في تلبية مطلب «حماية المدنيين» في سوريا عندما كان ذلك ممكناً في نهاية 2011، وفي إقامة مثل هذه المناطق مع تدفق اللاجئين إلى دول الجوار حتى لم تعد قادرة على الاستيعاب أو على تحمّل الأكلاف المالية والأمنية. لا شك أن هذين -التلكؤ والتقصير- لم يؤدّيا فقط إلى ظهور الإرهاب «الداعشي» واستشرائه بل أيضاً إلى نتيجة طبيعية تتمثّل بهذه الهجرة إلى أوروبا. أبدى الأمين العام للأمم المتحدة حزناً وفزعاً إزاء واقعة اختناق اللاجئين، وقال إن الحرب في سوريا «تجسدت للتو على جانب طريق في قلب أوروبا»، لكن السوريين والعالم ينتظرون من المنظمة الدولية ما هو أكثر من المشاعر العاطفية. صحيح أنه لم يفت بان كي مون أن ينبّه إلى ضرورة عدم التمييز بين اللاجئين على أساس الدين والهوية، وكذلك عدم إجبارهم على العودة إلى بلدانهم ليتعرضوا للقتل أو الاضطهاد، لكنه أشار بوضوح إلى أن المسؤولية الأولى تقع على الدول الكبرى التي لا تنفك تفشل في حلّ النزاعات. لا شك أن نظام بشار الأسد وحده مغتبط بهذه المآسي، فأحد أهم إنجازاته هو طرد أبناء شعبه وإخراجهم من بيوتهم ووطنهم بلا أمل في العودة.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...