


عدد المقالات 307
كان المكان محايدا ومناسباً، ومع ذلك تجنبت القمة العربية في الكويت الغوص في عمق الملفات، لأن الأعضاء لم يكونوا مستعدّين، فلجؤوا إلى العموميّات التي لا تثير الجدل، وبالتالي إلى تأجيل بتّ مشاكل تبدو في معظم الأحيان بلا نهايات حقيقية. اكتفت القمة بالإشارة والتلميح إلى أن العرب يجتمعون في أجواء خلافات، من دون أن ينكبّوا على أيٍّ منها لحلّه. لم يفعلوا ذلك حتى في الجلسات المغلقة، ما يشي بأنها خلافات متفجّرة يُستحسن ألّا يفتح النقاش حولها. إذاً، تُركت الأسئلة عائمة بلا إجابات، ولم يكن واقعياً انتظار «مصالحات» خلال القمة نفسها طالما أنها لم تُستبق بمساعٍ لإنضاج أي مبادرة، ليكون وجود الأطراف المعنية تحت سقف واحد تتويجاً للجهود وتكريساً لاتفاقات جرى توثيقها. والملاحظ أن الخلافات لم تعد «شخصية» أو «مزاجية»، كما كانت تُوصف، بل سياسية جداً، وكل ما هو سياسي أصبحت له في هذه الأيام تمثّلات أو انعكاسات أمنية. سادت فكرة عدم مناقشة الخلافات وإبقائها في حالها الراهنة تجنباً لتفجيرها. ووافق الجميع على هذه اللعبة. ورغم التشديد على ضرورة معالجتها، خلت القرارات من أي إشارة إلى تحرّك مزمع أو «آلية» معينة. وتفسير ذلك أن الأمر متروك لرغبة الكويت، التي تتولّى رئاسة القمة لمدة سنة، إذ أن ميثاق الجامعة لا يتيح التعامل مع مثل هذه الحالات رغم أنه يشدّد على التضامن كأساس للعمل العربي المشترك، فكيف لهذا التضامن أن يتحقق إذا لم يكن هناك من يتولّى تفكيك عقده. في قمم سابقة كانت تُشكّل لجان رئاسية مصغّرة لتقريب وجهات النظر وإجراء مصالحات، لكن هذا كان متيسّراً سابقاً في وجود دول «قيادية» قادرة على ممارسة التأثير والنفوذ، أما في المرحلة الراهنة فيبدو العالم العربي من دون «قيادة» ولا زعامة. وفي مثل هذه الحالات تصبح الجامعة أشبه بجهاز معطّل أو مشلول. لا شك أن الخلاف الأكثر إقلاقاً للعرب جميعاً هو الحاصل الآن داخل مجلس التعاون الخليجي، تحديداً لأنه مرشح لفرض انقسام جديد لا بدّ أن يشابه الانقسامات العمودية الحادة التي شهدنا مثلها خلال الأعوام الثلاثة الماضية في عدد من البلدان والمجتمعات العربية. صحيح أن للخليج خصوصيته ووسائله في طرح المشاكل وحلّها، إلا أن طبيعة المشاكل تغيّرت هنا أيضاً، لأنها لم تعد قاصرة على التشوّش في العلاقات بين أهل البيت أنفسهم وإنما صارت مشوبة بتدخلات خارجية، إقليمية ودولية، لذا زادت تعقيداتها ومخاطرها فوضعت أطرافها أمام خيارات إما تلتقي أو تتعارض وتتباعد. ولعل الأسوأ أنها بدأت تشيع مناخاً من عدم الثقة بين الأفراد، كما انعكست على التخاطب الأهلي بلغة هابطة ومفزعة في وسائل الاتصال الاجتماعي، ما أسهم في تعميقها حتى قبل أن تنفجر في واقعة سحب السفراء. ورغم أنه كان مستبعداً وضع هذا الخلاف على طاولة القمة العربية، إلا أن الكلمات البروتوكولية في الجلسات العلنية لم تفتح نوافذ ولا أبواباً للقول مثلاً: إن العمل جارٍ للخروج من هذا النفق. لا شك أن مرحلة التحوّلات التي أسستها انتفاضات «الربيع العربي» أرخت بأثقالها على مجمل الدول العربية وأضافت أنواعاً جديدة من الخلافات إلى تلك التي كانت تقليدياً. وأهمها المخاض الذي فرض نفسه على المجتمعات في توجهها لاختيار نمط الأنظمة السياسية البديلة من أنظمة الاستبداد، وشيوع التغالب بين التيارات السياسية بأطيافها المدنية والدينية وبما لها من ارتباطات وتلوّنات خارجية. هذا وحده كان ولا يزال يستحق أكثر من نقاش أو مؤتمر، لأنه يشكّل جوهر الأزمات المعتملة في مصر وليبيا واليمن والعراق، وليس غائبا عن أزمات سوريا والسودان وحتى لبنان، كما أنه لم يحسم نهائياً في تونس وإنْ جرى تقنينه في نص دستوري لم يُختبر بعد. للمرّة الأولى نجد الحكومات والشعوب متورّطة معاً في الصراعات وامتداداتها عبر الحدود، فثمة نمط سياسي جديد يتخلّق عربياً لكنه يحتاج إلى وقت أطول مما كان متصوَّراً كي يبلغ الاستقرار، وليس مهماً انتصار هذا التيار أو ذاك بالمغالبة بل الأهم أن يكون المنتصر مؤهلاً فعلاً لإدارة البلاد وإنهاض الاقتصاد. وفي ظلّ واقعٍ كهذا سيكون على الجامعة العربية أن تمضي سنوات مقبلة قبل أن يلتئم في مجلسها ممثلون لدول مستقرّة أو شبه مستقرّة، وبالتالي قادرة على إحداث التغيير المنشود في العمل العربي المشترك. يبدو أن هذا التعارض بين الديني والمدني بات يُختزل في مسألة «الإرهاب»، باعتبار أنه يجنح أكثر فأكثر إلى العنف، ثم إنه أفسح فرصاً لاستغلالات أدّت بدورها إلى اصطفافات داخلية وخارجية. كان على جدول أعمال قمّة الكويت بند عنوانه الإرهاب، ولم يكن صعباً صوغ موقف موحّد، فالجميع ضد الإرهاب ومع مكافحته. لكن هذا المبدأ العام لا يعني أن الجميع يسلك طريقاً واحداً مستقيماً لتطبيقه، فالمفاهيم متعددة حتى إن الوثيقة التي توصّلت إليها الجامعة عام 2005 لتعريف الإرهاب لم تعد تحظى بالتوافق، نظراً إلى تغيّر الظروف. من هنا أن مؤتمر وزراء العدل والداخلية الذي أحيل إليه الملف ويُفترض أن ينعقد قريباً سيعاني في إيجاد صيغة جديدة مناسبة، وهذا الخلاف المعروف حالياً مرشّح لأن يكون أحد أكبر الخلافات العربية - العربية، تحديداً بسبب إدراج بعض الحكومات تيارات مثل جماعة «الإخوان المسلمين» في سياق لتنظيمات الإرهابية. في البحث عن تطوير الجامعة العربية، لا بدّ من وضع آلية تخوّلها معالجة الخلافات، فهذا لا يمسّ سيادة الدول ولا يتعارض مع خصوصياتها بل يساعدها في اختراق الانسدادات. وقد أظهرت مرحلة التحوّلات الراهنة حاجة إلى التوسط وتيسير الحوارات، وفي العالم العربي العديد ممن يتحلّون بالحكمة والحِلم والحيادية لكن أحداً لم يلجأ إلى خدماتهم كما لو أن عقلية التطرّف المغالبة أفلحت أكثر في تبديد الخلافات.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...