إفريقيا والعرب.. أحلام كبيرة وخطوات محدودة (2-2)
30 نوفمبر 2013 , 12:00ص
توقفنا في مقال أول أمس الخميس عند البعد التاريخي للعلاقات بين العرب والأفارقة، والتي مرت بحالة من الجمود وصلت إلى استئناف أعمال القمة بين الجانبين بعد حوالي 33 عاما، بالإضافة إلى رصد الإمكانات التي يتمتع بها الجانبان، وتصب في مجال الضرورة الحتمية لتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه، من أسس للتعاون، ونحاول استكمال القضية.
ولعل من المهم الإقرار بوجود صعوبات تواجه الاستثمار العربي أو غيره في إفريقيا، ومن ذلك ضعف البنية التحتية، وقلة الطرق المعبدة، واستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وتفشي الفساد، وقلة الطاقة. ولكن ذلك لا ينفي، أن متوسط التنمية في إفريقيا وصل حوالي %6، خلال السنوات العشر الأخيرة، مع تراجع الحروب الأهلية، وتحسن الظروف الاقتصادية. وقد سعت العديد من الدول الإفريقية، إلي تحسين أجواء الاستثمار، ودعم قدرتها التصديرية، وزيادة الأنشطة الاقتصادية، ولهذا وصل إجمالي التدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لإفريقيا، عام 2007 حوالي 53 مليار، مقارنة بـ39 مليار في العام السابق، صحيح أن النسبة متدنية لم تتجاوز %3 ، ولكنها ما زالت قارة بكر وهناك مجالات عديدة للاستثمار العربي في قارة إفريقيا، مثل الأمن الغذائي، وقطاعات المعادن والبترول، والاستثمار في البنية التحتية، ووسائل الاتصالات، والكهرباء والصحة.
وقد أحسنت قمة الكويت الثالثة صنعا، عندما تم التوافق بين الجانبين العربي والإفريقي، على تراجع الاهتمام بالشأن السياسي، والمشاكل والقضايا التي تواجه الطرفين، مع تصدر القضايا الاقتصادية لأعمال القمة، وتم إقرار ست قضايا رئيسية، هي الاستثمار، ومجالات التنمية الزراعية، والأمن الغذائي في دول المجموعتين، وزيادة التبادل التجاري، وإنشاء البنية التحتية، بما في ذلك الربط البري والكهربائي، فضلا عن قضايا الهجرة، ومن الأشياء المهمة في أعمال القمة، القراءة المتأنية للتقرير المشترك للرئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي والأمين العام للجامعة العربية، الذي قدم تقييما واقعيا لحجم ما تم تحقيقه خلال العامين الماضيين، من قمة سرت حتى قمة الكويت، واعترف صراحة بعدد من الحقائق، تمثل تفسيرا لمحدودية التقدم الذي تم إحرازه، في تنفيذ استراتيجية الشراكة الإفريقية العربية، وخطة العمل المشتركة من 2011 وحتى 2016. منها وجود اضطرابات في عدد من دول المجموعتين، بما في ذلك الثورات الشعبية. مما أثر على معدلات التنسيق المطلوب، واعترف التقرير بأن الخطة طموحة جداً، ولم يتم تبسيطها، وتشمل عدد من الأنشطة، التي لا يمكن تحقيقها في غضون الجداول الزمنية المحددة، كما أن بعض الأنشطة، تتطلب موارد بشرية ومالية، إذا كان هناك رغبة في تحقيق النجاح.
كما اعترف التقرير أيضاً بالافتقار إلى الموارد، وقال نصا: لم تكن خطة العمل المشتركة مصحوبة بآلية تمويل مدروسة، وكانت هناك محاولة لإنشاء صندوق إفريقي عربي خلال قمة سرت، ولم تنجح، فتم تنفيذ عدد من المشاريع بموارد محدودة، متوافرة لدى المنظمتين. كما اعترف التقرير، بعدم توافر آليات مشتركة محددة، وهياكل يجب إنشاؤها، لتسيير تنفيذ خطة العمل المشتركة، منها إنشاء اتحاد للغرف التجارية والصناعية بين الجانبين. وأقر التقرير بالحاجة إلى دور أوسع وأكبر، للقطاع الخاص والمجتمع المدني عربيا وإفريقيا، رغم صدور عدد من القرارات من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي لتسهيل ذلك، كما لم يتم إنشاء منتدى للتنمية بين الجانبين، وهو أحد آليات المتابعة والتنفيذ للاستراتيجية، كما أنه يمثل إطارا ومنهجا لمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، وقد نجحت قمة الكويت في معالجة بعض القصور السابق، من خلال الاتفاق بين القادة، على أن تقوم الجامعة والاتحاد والمؤسسات المالية، بتشكيل فريق عمل، معني بإنشاء آلية تمويل مشتركة، وتحديد طرق تفعيلها، مع الدعوة إلى عقد دورات المنتدى الاقتصادي العربي الإفريقي، بصفة منتظمة قبل القمم، مع دعوة لجنة التنسيق إلى إجراء دراسة معمقة، حول سبل ووسائل تنشيط وتعزيز آليات الشراكة، مع عقد اجتماع سنوي على المستوى الوزاري مرة كل عام، وللجنة تنسيق الشراكة وعلى مستوى كبار المسؤولين، مرة كل ستة أشهر.
ومن المهم الإشارة إلى أن القضايا السياسية، كانت موجودة في اللقاءات الثنائية بين القادة، وتمت على هامش القمة. وفي التقرير المشترك لرئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي والأمين العام للجامعة، خاصة أن هناك قواسم مشتركة، وقضايا وأزمات وصراعات تهم المجموعتين، مثل السودان والصومال، وقد تم الكشف عن اجتماعين للتشاور بين المجلسين العربي والإفريقي للسلم والأمن لتبادل وجهات النظر، والتنسيق حول القضايا المطروحة، كما تم التوافق على إنشاء لجان مشتركة للسفراء من الجانبين، في عدد من عواصم العالم. القاهرة، وأديس أبابا، وجنيف ونيويورك وواشنطن وبروكسيل، كما توافق الطرفان علي سرعة حل القضايا العالقة بين الشمال وجنوب السودان. وأشاد التقرير بجهد وعمل بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، والتأكيد على مساعدة الجانبين للحكومة الانتقالية هناك، كما أيد الجانب الإفريقي الطرح العربي الخاص بالحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية. ولعل من الملاحظات الشكلية، التي قد تكشف عن غياب الحماس الإفريقي، لانعقاد مثل هذه القمم أن ثلاث دول عربية قامت باستضافتها، وهي مصر، وليبيا والكويت، والأخيرة هي من اقترحت، ومنذ قمة سرت تلك الاستضافة، منذ ثلاث سنوات. بينما خلى البيان الختامي من أي إشارة، إلي موعد ومكان القمة القادمة، بعد أن تم التوافق علي أن تكون في أحد عواصم القارة السمراء، وطلب القادة من رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي، كما جاء في نص القرار، إجراء مشاورات مع الدول الأعضاء في الاتحاد، بهدف تحديد البلد الذي سيستضيف القمة الرابعة والمقرر لها 2016، ودعوة الأمين العام ورئيسة الاتحاد، العمل لضمان التنظيم الناجح للقمة مع البلد المضيف. كما أن العادة جرت، على أن يكون مقر المؤتمر القادم وموعده، أحد القضايا المطروحة في إطار الإعداد للقمة الحالية، ليتم الإعلان عنه في الجلسة الختامية، ما لم تكن هناك دورية للانعقاد كما هو الحال في الجامعة، ومن البديهيات الإشارة إلى وجود أكثر من دولة، تسمح لها إمكاناتها المالية واللوجستية باستضافة القمة، وسبق لها أن كانت مقرا لاجتماعات دولية، مثل جنوب إفريقيا أو نيجيريا أو السنغال أو إثيوبيا، المعتادة على استضافة قمة الاتحاد الإفريقي سنويا، باعتبارها دولة المقر. وبعد فكل المؤشرات تؤكد أن قمة الكويت العربية الإفريقية،هي خطوة في الاتجاه الصحيح، وميل في مسيرة الألف ميل.