الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
12:46 ص بتوقيت الدوحة

«الضمّ» الإسرائيلي.. أبعاد وتداعيات

رضوان الأخرس
«الضمّ» حلقة من حلقات المشروع الصهيوني المتوسع في المنطقة، ويأتي ضمن سلسلة خطوات قام بها الصهاينة وحكومة الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، وكانت النية نحو مخطط ما يسمى بـ «الضمّ» وما شابه مبيّتة وجاهزة قبل طرح «صفقة القرن»، وكانت هناك العديد من الصيغ والدعوات التي تنادي بسلب الضفة الغربية كاملة وجعلها «يهودا والسامرة».
إن «الضمّ» خطوة كبرى نحو استكمال ذلك المشروع الذي يريد تحويل الضفة إلى «يهودا والسامرة» أي تهويدها أو «أسرلتها» بالكامل، كما فعل من قبل مع الأراضي التي احتلها عام 1948م، في محاولة لمسح الهوية الفلسطينية عن أكبر كتلة سكانية وجغرافية يسكنها الفلسطينيون داخل فلسطين.
وإذا افترضنا أن «الضمّ» سيتمّ، فإن الأمر هذه المرة سيكون مختلفاً عمّا جرى بعد النكبة، ذلك أن الاحتلال حينها كان في طور التأسيس والتمركز أكثر من كونه في طور التمدّد والتوسع، أما في السنوات الأخيرة، بخلاف الجولات القتالية التي جرت على جبهة غزة، عاش الاحتلال استقراراً وهدوءاً نسبيين، بعد قمعه للمقاومة في الضفة بمساعدة «التنسيق الأمني»، جعلته تلك الفترة يتوغل أكثر في المجتمع الفلسطيني، ويثبّت العديد من المعادلات على الأرض، كما أقرّ جملة من القوانين العنصرية التي كان من أبرزها «قانون القومية»، الذي ينادي بفكرة نقاء إسرائيل من غير اليهود، بما يعني في المحصلة عدم شرعية تواجد كل من هو غير يهودي داخل ما يسمى إسرائيل.
يضاف إلى ذلك قوانينه العنصرية والإجرامية الأخرى المتعلقة بأملاك الغائبين، وعنصريته في تراخيص البناء وترميمها، وغيرها من الضرائب والانتهاكات التي يمارسها ضد الفلسطينيين، وإطلاقه يد المستوطنين للتنكيل بهم وبمزارعهم وممتلكاتهم، لتضييق العيش عليهم.
هذه التفاصيل حول عنصرية الاحتلال وإجراءاته المختلفة، لا نذكرها لنقول إن مشكلتنا مع عنصرية الاحتلال وإجراءاته وعدوانيته، بل لنقول إننا ضد الاحتلال ككل وما ممارساته إلا جزء منه، فالأصل أن مشكلتنا ضد الاحتلال، وليس ضد العنصرية أو «الضمّ» وما إلى ذلك، ومواجهة جزء من ذلك ينبغي أن يكون ضمن ذلك الإطار العام الرافض للاحتلال ككل. فأولئك الذين قبلوا بـ «الحلول المرحلية» والإنجازات المؤقتة مقابل حالة تصالح مع الاحتلال يخسرون كل شيء الآن، وباتت «أوسلو» شيئاً من التاريخ، فمشروع «الضمّ» سيضع آخر أكوام الرمال على قبر «أوسلو» بعد أن قُبرت منذ زمن.
أعتقد أن كثيرين ممن حول محمود عباس كانوا يعطونه ومساره فرصة أكثر مما كانوا يصدّقونه، فتراجع جزء منهم عن خيار المقاومة المسلّحة، لأجل تجريب مسار جديد وعدهم فيه عباس ببناء دولة، ومواجهة الاحتلال عبر «النضال الشعبي»، ومن خلال الكفاح في «المؤسسات الدولية» والمحاكم، دون الحاجة للقوة والسلاح، وظنّ البعض -لا أدري كيف- أن هذا ممكن!
غير أن لحظة الحقيقة جاءت، وما عاد لتلك الترّهات مكان، وما كان ذاك الهدوء مع برامج التدجين التي رافقته وخطابات التضليل إلا وهماً وخداعاً وتخديراً للهمم، وسلخاً ومسخاً للروح الثورية، وربما الوطنية، وهذا السلخ والمسخ -بعد أن اتضح- لا يقبله كل ابن حرة.