الإثنين 8 ربيع الثاني / 23 نوفمبر 2020
 / 
07:45 م بتوقيت الدوحة

في انتظار اللقاح.. أي دروس من الجائحة؟

عبدالوهاب بدرخان
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى قسوة التجربة في هذا البلد أو ذاك.
وفيما يُستسهل الحديث عن تراجع العولمة أو نهايتها تطرح الأسئلة نفسها تلقائياً: ماذا يعني التزام أكثر من نصف سكان الأرض البقاء في بيوتهم والتباعد الاجتماعي بسبب فيروس؟ ولماذا أصبحت خريطة الإصابات والوفيات مقلقة للأصحّاء قبل المعتلّين؟ وهل هناك إمكان لمكافحة الجائحة والقضاء عليها إلا بجهد عالمي يستند أساساً إلى التقدّم الذي حصل في وسائل النقل وسلاسل الإمداد؟ أليس كل ذلك «عولمة»؟ هي ليست كلمة شعبية ولا مفهوماً متداولاً في الحياة اليومية، وقد تبدو ضرباً من التفلسف، إلا أنها غدت واقعياً أبسط من ذلك، فهي طريقة العيش العصرية بكل تفاصيلها وأدواتها وسلعها. ولذلك فهي لن تنتهي لكن مفاهيمها يجب أن تتغيّر.
حصلت أزمات عدّة نبّهت إلى استغلالات العولمة وانزلاقاتها، غير أن حمّى الجشع والتنافس اندفعت إلى ما يشبه التقديس للتجارة، إلى الحدّ الذي سيّدها على كل شيء فأصبحت كل السياسات خاضعة لها أو مستوحاة منها، ومع أنها وُجدت أصلاً لخدمة الإنسان إذا بها تسخّر هذا الإنسان في خدمتها، من أمنه وأمانه وصولاً أخيراً إلى صحّته. فجأة صحَت الحكومات والشركات العملاقة والأسواق والبورصات على الواقع المهوّل، فلولا الإنسان لما كانت.
أمكن عام 2008 التغلّب على الأزمة المالية؛ لأن العصب الإنساني للاقتصاد موجود، وظل ممكناً التغلّب على تلاعبات العالم السيبراني وفيروساته المدمّرة؛ لأنها تضرب «الداتا» ولا تستطيع تغيير طبيعة الإنسان وخياراته. لكن عندما تصل الفيروسات إلى جسم الإنسان نفسه تكون قد تجاوزت الخط الأحمر، ولها في التاريخ صولات مماثلة قضت على ملايين البشر ولم يُقضَ عليها تماماً، بل جرى تمكين الأجسام من التعايش معها لتكييف مناعتها ضدّها. هذا على الأرجح ما سيكون عليه مصير «كوفيد - 19».
كيفما تمظهرت التغييرات المقبلة أو تفاعلت فإنها ستنال من كل ما عُرف عن حياة البشرية حتى الآن. إذا لم تتغيّر نظرة الدولة إلى المواطن، وإذا استمرّت على وظيفتها بالأولويات ذاتها أو بنرجسيات حكامها، فإنها ستجازف بعدم استقرار مستدام. ثمة اهتزاز تاريخي اعتور الثقة، خصوصاً في الدول المتقدّمة، حيث اكتشف المجتمع أن كل مساهماته في تمويل الدولة لم توفّر له شبكة أمان، ولم تستطع التصدّي للوباء بحدّ أدنى من الخسائر. تشابهت الشكاوى في كل مكان: نقص في الموارد، في التجهيزات، في الأدوية، في الكوادر الطبّية... وتذرّعت الدولة بضغط الظروف لتعفي نفسها من تطبيب كبار السنّ بغية إنقاذ الأقل سنّاً... وهكذا افتضحت علاقة الدولة بمواطنيها في الاختبار الصعب.
لم تنتظر الدول النامية والفقيرة هذه المحنة لتتعرّف إلى عوامل ضعفها وقصورها وفسادها، الكثيرة بل الشاملة، وإذ لم يهاجمها الفيروس بعنف وشراسة حتى الآن؛ فليس لأن لديها المناعة الكافية، بل لأن بؤراً قليلة فيها تحتكّ بالحياة العصرية. وإذا كانت جهود مكافحة «كورونا» تبدو أكثر نجاعة في ظل الأنظمة الشمولية، فهل تكون البلدان الأقل نمواً (وديمقراطية) مثالاً يحتذى به للحدّ من الإصابات والوفيات؟
يعيش العالم حالياً في ترقّب لظهور اللقاح المضاد للفيروس، وفي الانتظار يشعر بحاجة متنامية إلى مفكّرين يحدّدون دروس الجائحة ويشرحونها.