عصافير متعددة بحجر واحد..!! «1-2»
30 يناير 2014 , 12:00ص
يوما ما، في زمن ما، ستتم كتابة التاريخ الحقيقي، والصحيح لوقائع الثلاث سنوات، من عمر مصر منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن. يومها سيتم الكشف عن حقائق ما جرى، بعيدا عن التحيز الحزبي أو الانتماءات الأيدلوجية، من دون تزييف أو تلوين للوقائع، بعيدا عن أبطال المرحلة ورجالها، ويومها لن تكون مفاجأة لأحد، والتي سيتم الكشف عنها، من جهات محايدة، لا تنتمي إلى فئة، وليس لها أي مصلحة، أن الشعب المصري قد تعرض، إلى أكبر كذبة في تاريخه، عندما شارك بالملايين في ثورة شهد لها العالم مطالبا بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية، واستطاع اقتلاع أحد أكثر الأنظمة القمعية، وهو نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، والذي اعتمد على ثالوث لم يتغير في لعبة محددة المعالم للحفاظ على المصالح المشتركة، على حساب الشعب، الذي عاش معاناة إنسانية غير مسبوقة وهم المؤسسة العسكرية والأمنية ومجموعة رجال الأعمال، الذين جسدوا الرأسمالية المتوحشة في أعلى صورها، لقد أدركت أضلاع المثلث، أن شيخوخة النظام واستمراره على حاله يهدد تلك المصالح، خاصة أن أسلوبه في الحفاظ على بقائه مرتبط بمشروع التوريث ونقل السلطة من الرئيس مبارك إلى الابن جمال، وهو أمر غير مقبول من ضلع المثلث الهام وهو المؤسسة العسكرية، والتي اعتادت على تصدر المشهد السياسي، والسيطرة على القرار التنفيذي، من خلال منصب الرئاسة الذي لم يخرج أبداً من بين أصابعها، منذ ثورة يوليو 1952، عندما تولاها محمد نجيب لفترة بسيطة، يعاونه مجلس قيادة الثورة حتى تمت إزاحته لصالح مفجر ثورة يوليو الحقيقي جمال عبدالناصر، وكان معظم الوزراء من ضباط الجيش الكبار والمحافظين وكبار المسؤولين في الوزارات من الصف الثاني، ما عدا بعض الوزراء التكنوقراط، وكلهم إما له خلفية عسكرية، أو متحمس للعمل معها، وتولى السادات المسؤولية بعد عبدالناصر، وهو ابن قديم للمؤسسة العسكرية، حتى وإن انخرط لفترة في العمل السياسي وحوكم وتم سجنه قبل ثورة يوليه، وعندما خاض حرب أكتوبر، بدأ الحديث عن تولي جيل النصر المسؤولية، وتمخض الأمر بتعيين قائد القوات الجوية في الحرب، حسني مبارك نائبا للرئيس، والذي تولى الرئاسة بعد اغتيال السادات في أكتوبر 1981، واستمر الحال على ما هو عليه، سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، بل حققت في عهد مبارك خطوة باتجاه تعزيز وجودها كقوة اقتصادية منفصلة من خلال المشاركة عبر جهاز الخدمة الوطنية في إنشاء مشروعات اقتصادية خاصة بها، والبحث عن موارد للقوات المسلحة، ناهيك عن الموازنة الخاصة بها من الميزانية العامة للدولة.
ولعل طول فترة بقاء الرئيس مبارك في الحكم والتي استمرت 30 عاما، أصابت النظام بحال من التكلس والجمود وعدم الرغبة في تغيير دم النظام، أو تنشيطه، مع تراكم الأخطاء، وظهور السلبيات، كما أن إمكانية الانهيار المفاجئ وغير المحسوب للنظام، احتمال غير مأمون العواقب، خاصة مع تصاعد التحديات التي تواجه النظام، وانكشفت عدم قدرته على المواجهة أو التصدي لها أو معالجة الأخطاء، وتعددت تلك التحديات في الآتي:
تصاعد حركات الاحتجاج السياسي، والتي لم تعد قاصرة على الأحزاب التقليدية القديمة، التي نجح النظام في نزع أنيابها، وتحويلها إلى معارضة مستأنسة، وظهرت على إثر ذلك حركة كفاية، التي جمعت تيارات ورموزا سياسية مختلفة، وشكلت تحديا للنظام، خاصة مع اتساع عضويتها، وكثرة احتجاجها في الشارع، وبعدها تعددت تلك الحركات، أشهرها 6 أبريل، التي دعت إلى اعتصامات في مدينة المحلة الكبرى وغيرها، بالإضافة إلى دخول فئات جديدة، مثل أساتذة الجماعات، التي شكلت مجموعة 9 مارس، التي رفعت شعار استقلال الجامعات، وكذلك القضاة وناديهم، والمحامون والصحافيون وغيرهم.
ثانيا: بدء حركة ضغط حقيقية وقوية من الإدارة الأميركية ضد نظام مبارك، بطرح فكرة الشرق الأوسط الكبير، والذي تضمن بنودا كثيرة، في مقدمتها نشر ثقافة الديمقراطية الحقيقية، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني، وقامت الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن، وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، بممارسة ضغوط شديدة على النظام المصري، ومطالبته بإجراء إصلاحات متعددة، وفتحت الإدارة قنوات اتصال مع كل التيارات السياسية المصرية، ودعمت التنظيمات الجديدة، في إطار نشر الوعي الديمقراطي، وحاول النظام استخدام الإخوان المسلمين فزاعة للإدارة الأميركية، بعد أن سمح بنجاح أكثر من 88 نائبا لهم في برلمان 2005، وتم توسيع هامش الديمقراطية، واستثمار الحرية المحدودة للإعلام، في إقناع الإدارة الأميركية بالاستجابة إلى رؤيتها، في التغيير الديمقراطي، ولكن الأمر لم يستمر، وتمت عمليات تزوير واسعة في انتخابات مجلس الشعب 2010، واستبعاد كل المرشحين من المعارضة، من كافة الفصائل والتيارات السياسية، وسط غض الطرف من مبارك شخصيا، وما زال الجميع يتذكرون مقولته المشهورة، عندما قيل له إن الذين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات البرلمانية، شكلوا مجلس شعب موازيا «خليهم يتسلوا».
ثالثا: تحكم مجموعة رجل الأعمال في مفاصل الدولة، والزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة، والتي وجدت المناخ المناسب لها لتعزيز فكرة توريث الحكم في مصر، إلى الابن جمال مبارك، في ظل عدم ممانعة الوالد شخصيا، فتم تشكيل لجنة السياسات برئاسة الابن داخل الحزب الحاكم، وضمت النخب الفكرية والسياسية، التي قبلت بالفكرة، وسرعان ما تمكن رجل الأعمال أحمد عز من السيطرة عليها. وتنحية مجموعة المثقفين منها لصالح مجموعة المصالح من رجال الأعمال، الذين سيطروا على الوريث الابن جمال، وقاموا بالصرف بسخاء على مشروعه، وتعزيز فرص نجاحه، خاصة بعد المكاسب الطائلة التي حصلوا عليها من القرب من دوائر صناعة القرار، والتأثير فيه، وشهدت تلك الفترة صراعا تحت السطح، بين مجموعة جمال مبارك والمؤسسة العسكرية، التي كان من الصعب عليها، تقبل تولي رئيس مدني بمواصفات الوريث خوفا على مصالحها وامتيازاتها.
وجاءت ثورة 25 يناير في ظل تلك الأجواء ومشاركة كل التيارات الشبابية، والحركات الثورية 6 أبريل، والجمعية الوطنية للتغيير، وعناصر حركة كفاية، والاشتراكيين الثوريين، وجماعة الإخوان المسلمين، وكل طموحاتهم من مظاهرات ذلك اليوم، توافد 50 ألف مواطن، ومشاركته في المظاهرات ليوم واحد، ولكن الشعب المصري كان قد قرر الثورة على النظام، ولم يعد لديه ما يخاف عليه، أو منه، فاستمرت التظاهرات لثلاثة أيام، في ظل تزايد الأعداد وعدم قدرة الشرطة على المواجهة؛ فانهارت في 28 يناير، وقرر الرئيس مبارك اللعب بالورقة الأخيرة لديه لإنقاذ نظامه وهي الاستعانة بالجيش، وهي وصفة تم تجريبها من قبل، عام 1977 و1986 استعاد الجيش الأمن، وأعاد الاستقرار، وعاد إلى ثكناته، ولم يدرك مبارك يومها، أن أشياء كثيرة تغيرت، وجاء وقت تغيير واجهة النظام، مع الإبقاء على أركانه، وأسسه ومرتكزاته، يومها قررت المؤسسة العسكرية الاختيار بين بديلين: التضحية بمبارك ورموز نظامه، أو الحفاظ على مصالح المؤسسة، فكان الانحياز إلى البديل الثاني، ووقف الجيش على الحياد، ولم يبذل ما يكفي من جهد لحماية المتظاهرين، في موقعة الجمل على سبيل المثال، ولكنه في نهاية الأمر، انحاز إلى الشعب، خاصة بعد أن أدرك مبارك أن عليه الرحيل، ففوض المجلس العسكري في إدارة البلاد، طوال الفترة من 11 فبراير 2011 وحتى 30 يونيه 2012، عندما تم تسليم السلطة إلى رئيس مدني، من حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين، وهو الدكتور محمد مرسي. وكانت تلك جولة أولى من صراع لم ينته بعد.
في المقال القادم نستكمل كيف حافظت المؤسسة العسكرية على مصالحها وعادت من جديد لتتصدر المشهد السياسي هذه المرة بدعم من قطاع من المصريين.