alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 42

محمد يوسف العركي 03 أكتوبر 2026
الفن الفارغ «Vacant Art»
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 أكتوبر 2026
الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح
خالد محمد مفتاح 03 أكتوبر 2026
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلم

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

04 أكتوبر 2026 , 12:30ص

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على السرعة والضجيج والطموح والتناقض. أقمت في فندق قريب من سنترال بارك والجادة الخامسة بالتحديد fifth Ave، في منطقة تختصر نيويورك بكل مفارقاتها.
هناك قد تستوعب لماذا توصف نيويورك بأنها قلب العالم والمدينة التي لا تنام. فهي لا تتوقف عن الحركة، الجميع يمر، الجميع مسرع، الجميع منشغل بشيء ما، حتى يبدو الفرد كأنه نقطة صغيرة في تيار بشري هائل لا يملك أن يتوقف. لكنها في الوقت نفسه تدفعك إلى التساؤل حيث ظل سؤال واحد يلاحقني كلما نزلت إلى الشارع: ما الذي يبحث عنه كل هؤلاء الناس؟
في الظاهر تبدو الإجابة سهلة. يبحثون عن النجاح والعمل والمال والفرص وحياة أفضل. هذه مدينة بنت أسطورتها على فكرة الصعود، وعلى الاعتقاد بأن من يعمل أكثر يستطيع أن يصل أكثر. لكن التأمل قليلًا في هذا المشهد يكشف شيئًا مختلفًا. فخلف هذا التدفق الهائل للناس والسيارات والمواعيد والاجتماعات، ثمة قدر من الوحدة والقلق وافتقاد السكون. يبدو الإنسان وكأنه أصبح جزءًا من نظام أكبر منه، يتحرك داخله باستمرار من دون أن يملك دائمًا الوقت ليتساءل عن معنى هذه الحركة.

الإنسان في مرآة المدينة
المشهد العام في الجادة الخامسة تتجسد فيه المفارقة بأوضح صورها، هناك تقف كنيسة سانت توماس بعمارتها القوطية وسط عالم من الزجاج والحديد. وعلى مقربة منها يوجد معبد يهودي، وفي الشوارع المحيطة تظهر مراكز لليوغا والتأمل، وأماكن تستلهم تعاليم بوذا، ومحال تعرض رموزًا ومقتنيات هندوسية. ومن بعض عربات الطعام الصغيرة قد تسمع تلاوة القرآن الكريم بينما يواصل صاحب العربة عمله وسط ضجيج السيارات والمارة.
وفي الجهة المقابلة ترتفع البنوك والفنادق الكبرى ومقار الشركات ومتاجر أشهر العلامات التجارية العالمية. وعلى مسافة ليست بعيدة تقف الأمم المتحدة، حيث يجتمع العالم للحديث عن الحرب والسلام والعدالة ومستقبل البشرية. وهكذا تختصر بضعة شوارع تناقضات الحضارة الحديثة كلها، حيث يقف الدين إلى جوار الرأسمالية، وتقف الروح إلى جوار المادة، ويقف البحث عن المعنى إلى جوار ثقافة الاستهلاك.
لكن اللافت أن الغالبية تمر مسرعة. وكأن المدينة تقول للإنسان إن كل طرق البحث عن السكينة متاحة، لكنها لا تمنحه الوقت الكافي ليسلك أيًا منها.
حين تتحول الحياة إلى سباق
يصبح الصراع بين المادة والروح أكثر وضوحًا. المادة تدفع الإنسان إلى الحركة المستمرة، بينما الروح تحتاج إلى التوقف. المادة تسأله عما يملك، بينما الروح تسأله عما يعنيه ما يملك. المادة تقيس النجاح بما ينجزه ويجمعه، بينما الروح تبحث عن معنى أعمق للحياة لا يمكن اختزاله في الراتب أو الوظيفة أو المكانة الاجتماعية.
في نيويورك تبدو المادة، للوهلة الأولى، أقوى وأكثر حضورًا. كل شيء في المدينة مصمم للحركة والإنتاج. الوقت نفسه أصبح قيمة اقتصادية، والدقيقة لها ثمن، والمكان له ثمن، وحتى الهدوء له ثمن. عليك أن تدفع أكثر كي تحصل على غرفة أهدأ، أو إطلالة أجمل، أو خدمة أسرع. ومع مرور الوقت قد يتحول الإنسان من كائن يعيش إلى ترس صغير داخل آلة ضخمة. يستيقظ في موعد محدد، يذهب إلى عمله، ينجز، ينتج، يستهلك، يدفع الفواتير، يعود مرهقًا، ثم يعيد الدورة من جديد.
عند هذه النقطة لا يعود السؤال: ماذا أريد من حياتي؟ بل يصبح السؤال: ماذا يجب أن أنجز اليوم؟ المشكلة هنا ليست في العمل أو المال أو النجاح، فهذه كلها ضرورات ومكونات طبيعية للحياة. المشكلة تبدأ عندما تتحول وسائل الحياة إلى غاياتها، وعندما تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما ينتجه ويكسبه ويملكه أكثر مما ترتبط بما هو عليه في داخله.

الغرب وأزمة المعنى
وهذه ليست مشكلة نيويورك وحدها، بل صورة مكثفة لتحولات أوسع تعصف بالمجتمعات الغربية والحديثة عمومًا. تتغير أنماط الأسرة والعلاقات، وتعيد الهجرة تشكيل هوية المدن، وتبتلع التكنولوجيا مساحات متزايدة من الحياة اليومية، بينما يطرح الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول مستقبل العمل والمعرفة وحتى معنى أن يكون الإنسان ضروريًا في عالم تستطيع فيه الآلات أن تنجز الكثير مما كان ينجزه البشر.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة كثير من المؤسسات التقليدية على توفير الإحساس نفسه بالانتماء والاستمرارية والمعنى. لم تختف الكنائس والمعابد ولا الدين، لكنها لم تعد تحتل الموقع نفسه في حياة قطاعات واسعة من الناس. وفي الفراغ الذي تركته هذه التحولات، ظهرت بدائل متعددة مثل اليوغا والتأمل والروحانيات الجديدة والعلاج النفسي والتنمية الذاتية والبحث عن الطبيعة والعزلة والصمت.
المفارقة أن الحضارة الرأسمالية استطاعت أن تحول حتى البحث عن السكينة إلى سوق. إذا أتعبتك المدينة، باعتك عطلة في الطبيعة. وإذا أرهقك العمل، باعتك جلسة للتأمل. وإذا سرق الهاتف تركيزك، قدمت لك تطبيقًا يساعدك على الابتعاد عنه. وإذا لم تستطع النوم، ظهرت صناعة كاملة لمساعدتك على النوم. وكأن الرأسمالية لا تكتفي بإنتاج القلق، بل تنتج أيضًا منتجات تخفف من آثاره.

ما لا تستطيع السوق شراءه
ومع ذلك، هناك أشياء تظل خارج قدرة السوق. يمكن شراء الراحة، لكن لا يمكن شراء الطمأنينة. يمكن شراء منزل، لكن لا يمكن شراء الشعور بالبيت. يمكن شراء الترفيه، لكن لا يمكن شراء الفرح. يمكن شراء سرير فاخر، لكن لا يمكن شراء النوم. ويمكن للإنسان أن يمتلك الكثير، لكنه لا يستطيع أن يشتري ذلك الشعور الداخلي بأن حياته متصالحة مع نفسها.
ربما لهذا يشعر الإنسان في مدينة مزدحمة مثل نيويورك بالوحدة. فالوحدة ليست دائمًا غياب الناس، بل قد تكون غياب العلاقة العميقة مع الذات ومع الآخرين. يمكن للمرء أن يعيش وسط ملايين البشر ويشعر بأنه معزول، كما يمكنه أن يكون محاطًا بالضجيج ويشعر بفراغ لا يسمعه أحد. لقد أصبح الإنسان أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكنه ليس بالضرورة أكثر قربًا من نفسه أو من الآخرين.
وهنا يبرز السؤال من جديد: هل الروح هي التي تصارع المادة، أم أن المادة استطاعت بالفعل أن تدفع الروح إلى الهامش؟ يبدو لي أن الروح لم تُهزم، لكنها أصبحت مؤجلة. فالإنسان يقول لنفسه إنه سيبحث عن المعنى لاحقًا، بعد أن ينتهي من المشروع، وبعد أن يحصل على الترقية، وبعد أن يشتري المنزل، وبعد أن يكبر الأطفال، وبعد أن يتقاعد. لكنه قد يكتشف في النهاية أن الحياة لم تنتظر.

حين يصبح المعنى هو الغائب
لقد نجحت الحضارة المعاصرة في توسيع العالم الخارجي للإنسان بصورة مذهلة، لكنها لم تحقق النجاح نفسه في توسيع عالمه الداخلي. جعلته أسرع، وأكثر قدرة، وأكثر اتصالًا، وأكثر إنتاجًا، لكنها لم تجعله بالضرورة أكثر سكينة.
ربما يكون السؤال الأهم في عصرنا ليس ما إذا كانت المادة ستنتصر على الروح، بل ما إذا كان الإنسان سيستطيع أن يحافظ على روحه وهو يعيش داخل عالم تفرض عليه المادة إيقاعها وقيمها وسرعتها. فالمأساة ليست أن المادة انتصرت نهائيًا، بل أن الإنسان قد يستيقظ يومًا ليجد أن كل شيء من حوله ممتلئ، بينما داخله بقي فارغًا.
وفي هذا المعنى، تصبح نيويورك أكثر من مجرد مدينة. إنها صورة مكثفة للعالم الحديث كله، حيث تبدو الوفرة بلا حدود، لكن الطمأنينة نادرة، وتبدو الخيارات لا نهائية، لكن المعنى أكثر التباسًا. وفي قلب هذا كله يقف الإنسان بين ما يملكه وما يحتاجه، وبين ما ينجزه وما يشعر به، وبين ما يراه العالم نجاحًا وما تعرفه الروح سلامًا. وقد تكون المفارقة الكبرى أن الإنسان الحديث لم يخسر الروح لأنه اختار المادة، بل لأنه انشغل بالمادة إلى درجة أنه لم يعد يسمع صوت الروح.

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...