alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

الحرية والخبز

29 أغسطس 2015 , 01:53ص

قد تبقى الحكومة عقداً كاملاً أو عقدين والناس يتجادلون في أمر الحريات العامة بدون أن يحس الحاكم أن الكرسي يهتز تحته, لكن ما أن يدخل الكلام حوش الفرن حتى تتحسس الحكومات مواقعها ومسدساتها وترفع درجات الاستعداد؛ ذلك ببساطة لأن الحريات حاجة ضرورية لنخب تنظر بعيداً, لكن (كل) الناس يجوعون, واللقمة لا تحتمل التأجيل.. وعندما يكثر الحديث عن حاجات الناس الضرورية, وعلى رأسها الخبز, يرفع المهتمون بالجوانب المعنوية في حياة الناس شعارهم الشهير (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان), حتى إذا مالت الكفة كثيراً لصالح الحريات ارتفع شعار (لا يحيا الإنسان بغير الخبز).. ولن ينتهي الجدل الفلسفي واللغوي حول الشعارين. الخبز هو شرارة الثورات, ويحتل مساحة معتبرة في التاريخ السياسي.. لم يخلد اسم ماري أنطوانيت بين عشرات من مثيلاتها ذوات الدم الأزرق إلا بمقولة أطلقتها في وجه الثوار المطالبين بالخبز. وفي التاريخ الحديث, قاد رئيس اتحاد الشغل التونسي الحبيب عاشور (ثورة الخبز) فكاد يسقط الرئيس بورقيبة، وفوجئ الرئيس السادات فور رفع حكومته سعر الخبز بجموع الشعب الهادرة تزحم الشوارع وتهتف (مش كفاية لبسنا الخيش؟ جايين تاخدوا رغيف العيش)، أصبح القمح في التاريخ الحديث (حبة) سياسية حيث يكفي أن نشير إلى القمح كأداة ضغط فعالة أرهقت بها أميركا الاتحاد السوفيتي, كما ظلت معونة القمح إحدى أدوات الضغط الأميركية على نظام الرئيس المصري الأسبق مبارك، وظل نقص الخبز هو سبب المجاعات, فالناس لا يجوعون بنقص اللحوم أو الخضراوات, بل بنقص الحبوب. بسبب الخبز يدور هذه الأيام في الإعلام السوداني جدال لم تجد مثله تعديلات طالت الدستور لتمنح جهاز الأمن والمخابرات سلطات واسعة؛ لكنه الخبز الذي يصير على كل لسان فور الإحساس بما قد يباعد بينه وبين الناس, خاصة إذا أنذرت بعض المؤشرات بخطر الجوع, وما قد يعقبه من غضب شعبي عارم. أهمية الرغيف في حياة الناس جعلت شعار (فلنأكل مما نزرع) الذي أطلقه نظام الإنقاذ في بداية عهده شعاراً يحظى باحترام عال. وبدا النظام بهذا الشعار دقيقاً في ترتيب الأولويات, تعينه على ذلك إمكانات زراعية هائلة يتمتع بها السودان.. لكن الجدال الدائر اليوم بعد ست وعشرين سنة على إطلاق الشعار, ليس حول نقص صادر السودان من القمح, بل يدور الجدال وبحماس حول جدوى أو فشل احتكار شركات محددة لـ (استيراد) القمح.. ويروغ المسؤولون عن السؤال المحرج: لماذا لم تنجح حكومة الإنقاذ في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء؟ لقد كان محض شعار، وما أسهل إطلاق الشعارات, وحشدها بالسجع والشعر واللحن.. ولن يتعدى دور الشعارات شحن الجماهير بعاطفة عابرة في لقاء حاشد يؤكد فيه الرئيس أن السودان لن يركع وأنه يتحدى العالم والمؤامرات، وينتشي الجمهور بإيقاع الهتافات المقفاة, وقد يهتف أحدهم حتى يهذي, ثم يعود إلى بيته ليكتشف أن صغاره لم يفطروا بعد, ولن يفطروا فيما تبقى من اليوم. إن فاتورة القمح لن تتمزق بالبركة وإن سنابل القمح لن تنمو بالهتاف, وإن ماكينات المطحن لن تدور بقصيدة عصماء.. وقد استمرأ نظام الإنقاذ الوقوف عند محطة الشعار السهلة, ولم ينتقل إلى مرحلة التخطيط العلمي ثم العمل الجاد. ومن مفارقات (سكرة) الشعارات العاطفية أن موسماً زراعياً كاد يضيع في بدايات الإنقاذ, بسبب تأخر عمليات الإعداد التي تضطلع بها الإدارة الهندسية في مشروع الجزيرة, والقوم يهتفون ويهتفون إلى أن نبههم أحدهم إلى أن (المحاريت) لم تبدأ عملها بعد, فكانت عملية استنفار لإنقاذ الموسم، وهي عملية روتينية كانت تتم بلا استنفار قبل رفع الشعار.. وبما أن إدارة مشروع بحجم الجزيرة لا يمكن أن تتم باستنفار سنوي, فقد ضاع المشروع بسوء التخطيط وبالفساد. حتى إن (إعادة الاعتبار) لأورنيك (15) أصبح إنجازاً تسير به الركبان, رغم أنه إجراء محاسبي بسيط يتعلق بضوابط التحصيل المالي, لكن وجد من الاحتفاء ما يؤكد أن الفوضى والفساد قد بلغا مبلغاً لا يصدق، في هذه الأجواء لا ينتظر أن تنجو الزراعة, وبالفعل أصبحت قضايا التقاوي الفاسدة والمبيدات الفاسدة والأسمدة الفاسدة من مألوفات منظومة الفساد في القطاع الزراعي, ثم تفجرت قضية الأقطان التي كانت (فتحاً) جديداً في ملف الفساد حيث نحا فيه المفسدون نحواً لا يخطر على بال.. وعل من دلائل اعتيادية الفساد في عهد الإنقاذ أن وزير الزراعة الذي تفجرت قضية التقاوي الفاسدة خلال توليه الوزارة , لم يشغله شيء غير التأكيد على أن الأمر قد حدث في عهد سلفه. لا تزهر حقول القمح وحقول الذرة في أجواء الفساد ولا تثمر , فلا يستغرب أن يصبح الاكتفاء الذاتي من الغذاء حلماً خيالياً, وأن تصبح غاية الإنقاذ هي تحديد أفضل السبل لاستيراد القمح. قد ينادي مناد بإحياء شعار (فلنأكل مما نزرع) لصحته, ولو فشل في تطبيقه مبتدعوه.. لكن لا بد من أن يتبع الشعار التخطيط السليم.. أما النزاهة فهي بداهة في العمل العام, ولا تحتاج إلى تأكيد.. لكن لا نزاهة في أجواء التعتيم, فلا بد من أضواء شمس الحرية الساطعة في نظام ديمقراطي كامل.. وهكذا نعود من جديد إلى جدال الحرية والخبز. يحيا الإنسان, ولا تنمو السنابل إلا في أجواء الحرية.

الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...