الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
03:35 م بتوقيت الدوحة

باريس بعد برلين إزاء مشكلة «الأخ الأكبر المتنصّت»

عبدالوهاب بدرخان
السؤال: لماذا تفشل الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب؟ الجواب: لأنها منشغلة بالتنصّت على حلفائها وأصدقائها.. آخر «الضحايا» وليس الأخيرين هم ثلاثة رؤساء فرنسيون بينهم الرئيس الحالي. وقد يكون من الأجدى في مرحلة مقبلة أن يحاول موقع «ويكيليكس» لتسريب الوثائق إعطاء لائحة بأسماء الدول والرؤساء الذين لم تتجسس عليهم وكالتا «أن أس آي» (الأمن القومي) و «سي آي إي» (الاستخبارات)، وقد لا تجد سوى مجموعة من الدول الصغيرة مثل ميكرونيزيا التي لا يسمع أحد بوجودها إلا عند التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار يدين إسرائيل ولا تحبّذ واشنطن تمريره. ويبقى أن «أطرف» الوقائع مثلاً، أن تتعاون الحكومة البريطانية مع «وكالة الأمن القومي» لإقامة شبكة كبيرة للتنصّت، وأن يكون رئيس الوزراء البريطاني من بين المستهدفين.
طبعاً، هذه الوثائق ليست جديدة، وليس معروفاً لماذا اختار «ويكيليكس» هذا التوقيت لكشفها، فهو يثير أحياناً تساؤلات بشأن لعبه السياسي، وأحياناً أخرى شكوكاً حول دوافعه أو وجود جهات تحركه. فما أن أعلنت ألمانيا قبل أيام قليلة إقفال ملف الخلاف مع أميركا بسبب التنصت على هواتف مسؤولين عديدين بينهم المستشارة أنجيلا ميركل، بعد أخذ وردٍّ طويلين تخللته فترات متوترة بين الأجهزة، حتى فجّرت قضية التنصت على الرؤساء جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند. لم يُعرَف تماماً لماذا اتخذت برلين هذا القرار، وما إذا كانت استطاعت تحديد أسباب عمل عدائي كهذا من جانب «الأخ الأكبر»، لكن من الواضح أن «ويكيليكس» تخوض التسريبات بعقلية «نضالية» تستخدم التأزيم لفرض التغيير في سلوكيات الهيمنة، ولذلك يتشارك مؤسسه جوليان أسانج مع المسرّب الآخر إدوارد سنودن بعبارة يرددانها باستمرار عن هدفهما وهو «أن تعرف الشعوب الحقائق غير المتاحة» سابقاً.
كان التفصيل الوحيد الذي استخدمه البيت الأبيض لدفع الحرج، هو أنه لم يتم التنصّت على المكالمات الهاتفية لهولاند، باعتباره لا يزال في الإليزيه، ولا بدّ من العمل معه. هذا التصريح انطوى على تأكيد استهداف الرئيسين السابقين، لكن الوثائق تضمّنت معلومات عن انشغال الرئيس الحالي بالأزمة اليونانية منذ أيامه الأولى، وعن خلاف مبكر بشأنها بينه وبين المستشارة الألمانية التي كانت ولا تزال رافضة أي تنازلات لأثينا، أي أن مضمون الوثائق مطابق لما هو معلن. ومع أن باريس اشتبهت دائماً بوجود تنصّت بسبب ذيوع أسرار بعض أنشطة دبلوماسيتها، إلا أنها انتظرت ما تكشّف الآن لتعلن أنها «لن تسمح بأي أعمال تعرض أمنها للخطر»، مذكّرةً بـ «تعهّدات» قطعتها الإدارة الأميركية منذ العام 2013 بوقف برامج التنصّت على حلفائها، ولم توقف هذه البرامج بل أُقرّ قانون يقتصر على وضع ضوابط لجمع بيانات الاتصالات الهاتفية.
ولعل السؤال الذي يطرحه الجميع هو: لماذا التنصت على شخصيات حكومات حليفة، وأي مبرر سوّغ لواشنطن أن تجيز ذلك لأجهزتها. لا بدّ أن هناك شعوراً راسخاً بالشك وانعدام الثقة بالذات وبالعالم، تولّد خصوصاً بُعَيد التفجيرات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، ويفترض أن تكون هذه الأجهزة الأميركية القديمة والمستحدثة أجرت مذّاك مسحاً تجسسياً شاملاً لجميع الخصوم والأعداء، من دول مارقة وجماعات عنف وإرهاب، ومن ثمَّ استدارت نحو الحلفاء والأصدقاء، رغم أن هؤلاء كانوا ولا يزالون إلى جانب الولايات المتحدة في معظم سياساتها الموجهة نحو تحصين الأمن ومكافحة الإرهاب. لكن الوقائع لا تؤكد أن مراقبة الأعداء حققت أغراضها، بدليل أن أميركا تواجه تحدّيات من جانب روسيا والصين بمقدار ما تواجه مفاجآت مع جماعات العنف والتطرّف. ولا شك أن أي أهداف أمنية لا تبرر الاستماع إلى مكالمات الحلفاء، لذلك يبرز المبرر السياسي، وهو الابتزاز.
اللافت في ردود الفعل عند «الضحايا» أنها -عدا السخط والانفعال والسعي إلى التحوّط- تظهر عجزاً عن مواجهة هذا الهجوم رغم وقاحته المكشوفة، بدليل أن باريس وقبلها برلين أكدتا باكراً أن «ما حصل غير مقبول لكنه لا يعني أننا سندخل أزمة» وتركتا للوسط السياسي التعبير عن المشاعر الغاضبة. في المقابل برز ميل إلى معالجة المشكلة بـ «التفاهم» مع الجهة المنتهِكة للخصوصية. غير أن «الضحية» تعرف مسبقاً أن أي «تفاهم» لن يضمن إقلاع الحليف الأميركي عن ممارسات بدأها بـ «تشريعات سرّية» توسّع نطاق العمل لتشريعات معلنة ويتظاهر بعد افتضاحها بأنه مستعد للكفّ عنها.
ولا شك أن الفضيحة أثارت داخل المجتمعات الغربية نقاشاً واسعاً وعميقاً، لم يهدأ منذ عامين، حول انعكاسات هذه الممارسة على «الحريّات». وقد تساءل الحزب الاشتراكي الفرنسي (الحاكم) للمناسبة: «كيف يمكن لبلد (أميركا) يضع الحريات الفردية فوق كل اعتبار أن ينتهكها»؟ الواقع أن إخضاع كل الاتصالات للمراقبة يعني ببساطة أن تغييراً طرأ على المفاهيم الغربية لتلك الحرّيات، ولم يُعتَرَف بذلك في الخطاب الرسمي بل في الدراسات الحقوقية المدقّقة. للدلالة على ذلك، ها هو البرلمان الفرنسي يقرّ، في يوم الفضيحة، قانوناً يمنح أجهزة الاستخبارات مزيداً من «حرية العمل» في التنصت، وكان هذا القانون لقي معارضة كبيرة رغم أنه استند إلى مكافحة الإرهاب، أي أنه التقى مع الموجبات التي بني الـ «باتريوت آكت» الأميركي عليها.
تبقى ملاحظة يمكن أن تضيء أكثر على أهداف التجسس الأميركي على الحلفاء، إذ ورد أن «فلسطين» بين المسائل التي اهتمّ التنصّت برصدها فرنسياً، وقد أكدت إحدى الوثائق أن ساركوزي فكّر في مرحلةٍ ما في التوجه إلى الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف لإطلاق «مبادرة مشتركة محتملة» في الشرق الأوسط «من دون الولايات المتحدة». ويعني ذلك أن الرئيس السابق مسّ عصباً حسّاساً، وأن واشنطن ترتاب بسياسات فرنسية «ضد إسرائيل»، وهذا يذكّر بأن باريس تسعى حالياً إلى مبادرة ما لكنها حريصة على تنسيق كامل مع واشنطن التي تبدي رغبة في الضغط على حكومة المتطرفين في إسرائيل.