البرلمان الحائر! (1-2)
29 يناير 2015 , 02:36ص
هي بكل المقاييس أغرب انتخابات برلمانية في تاريخ مصر، والتي عرفت البرلمانات منذ القرن الثامن عشر، تعيش على وقع انتخابات، كل ما فيها يؤكد حالة الارتباك والتخبط التي تشهده الحياة السياسية والحزبية في مصر منذ عدة سنوات، عندما دخل القضاء على خط السياسة خاصة المحكمة الدستورية العليا، فقامت بحل برلمان عام 2012، ومعه مجلس الشورى الذي تعاملت بنفس المنطق القانوني، ولكنها تركته لحين إجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب، ليقوم بمهمته في التشريع في عبث بالقانون، وخلط فاضح بين ما هو سياسي وبين ما هو دستوري، وارتكب الذين صاغوا دستور 2012 جريمة، عندما وافقوا على مادة فيه تتيح للمحكمة الدستورية الرقابة المسبقة على عدد من القوانين منها مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية، فأصبح القرار في يد المحكمة الدستورية العليا، وعرض عليها مجلس الشورى قبل حله في 3 يوليه 2013 أكثر من صياغة ورفضها في المرة الأولى، وتعامل ببطء شديد في إبداء الرأي في المرة الثانية، دون إدراك لحجم الأزمة السياسية التي عاشتها مصر في ذلك التاريخ. صحيح أن خوف مجلس الشورى من قبول الطعن على أي قانون يصدره في ظل الأزمة بين النظام في عهد الدكتور محمد مرسي والسلطة القضائية، كان وراء فكرة الرقابة المسبقة، ولكنه تم استخدامها في تأزيم الوضع السياسي المتردي قبل 30 يونيه 2013، بين المطالبين بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، تفتقد المنطق والعقل، وكان الهدف منها إزاحة الدكتور محمد مرسي، وبين إجراء انتخابات برلمانية، كانت تمثل استحقاقا دستوريا بعد حل مجلس الشعب بحكم من المحكمة الدستورية العليا تم تنفيذه والانصياع له، رغم تحديد إجرائها على أربع مراحل، تبدأ في أبريل وتنتهي في يونيو 2013. وكانت حجة الأحزاب المنضوية إلى ما يسمى «جبهة الإنقاذ» في ذلك الوقت، بأن الظروف لا تسمح بانتخابات برلمانية، وهي حجة للهروب من استحقاق هم أكثر من يدرك أنهم سيخسرون فيه.
عموما «فلن نبكي على اللبن المسكوب»، وحدث ما حدث في 3 يوليو 2013، بعزل الدكتور محمد مرسي، وتعليق العمل بالدستور، وتحديد خطوات مرحلة انتقالية جديدة في تاريخ مصر، من خلال إعلان دستوري في 8 يوليو 2013، نص في مادتيه 29 و30 على الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية، يعقبها الرئاسية بعد أربعة أشهر، على أن تجرى الانتخابات خلال فترة أدناها شهر، وأقصاها شهران، أي نهاية يناير 2014، ولم يلتزم الذين وضعوا خريطة المستقبل، كما أطلق عليها، أو الإعلان الدستوري بأي من البنود التي ألزموا أنفسهم بها. الانتخابات البرلمانية لم تتم حتى الآن، والدستور المطلوب تعديل بعض البنود المختلف عليها تحول إلى دستور جديد مخالف للسابق، وتم الاستفتاء عليه في 18 يناير 2014، وعدل من الترتيب السابق انتخابات رئاسية وبعدها انتخابات برلمانية. وحتى موعد انتهاء المرحلة الانتقالية امتد أكثر مما جاء في الإعلان، ولم تجر الانتخابات الرئاسية سوى بعد عام كامل، وفي يونيه من العام الماضي، وضرب بعرض الحائط كل ما تم الاتفاق عليه، وما زالت حالة الضبابية والتخبط هي سيدة الموقف في التعاطي مع ما يطلق عليه في مصر، «الاستحقاق الثالث» لخريطة المستقبل، ونقصد به الانتخابات البرلمانية، والتي كان من المقرر أن تتم بعد الاستفتاء على الدستور بستة أشهر، أي أن موعد دعوة الناخبين للاقتراع كان من الواجب أن يتم في 18 يوليو الماضي، وبالمنطق المصري الشهير، الذي جاء في فيلم «الزوجة الثانية» «الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا» اكتفى الرئيس المصري بالإعلان عن تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، قبل ثلاثة أيام من انتهاء الموعد أي في 15 يوليو، والتي عقدت أول اجتماع لها في اليوم التالي، وتم اعتبار ذلك تنفيذا لما جاء في الدستور، دون أدنى اعتراض من أي جهة على تلك المخالفة الفاضحة لنصوص دستورية، والتفاف عليها، رغم أنهم من وضعوها، واستفتوا الشعب عليها، والمقارنة صعبة، فقد كانت الطبقة السياسية في عهد الدكتور محمد مرسي، «تقيم الدنيا ولا تقعدها» تجاه أمور أقل من ذلك بكثير ومفتعلة، ومع ذلك مر الأمر ولكن التناقض استمر، والتخبط واضح، والضبابية في المشهد السياسي ظلت سيدة الموقف، وهو ما يكشف عنه تصريحات كبار المسؤولين حول تحديد موعد الانتخابات الجديد، بعد أن مرت المخالفة للدستور، وأصبحنا بالفعل أننا أمام أغرب انتخابات شهدتها مصر في كل العصور فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أعلن في لقاء مع وزير الخارجية الأميركي، في 23 يونيو من العام الماضي، أن الانتخابات البرلمانية خلال ثلاثة أسابيع، وحدد الموعد قبل 18 يوليو الماضي، ويومها كان حديث السيسي يتوافق في ذلك الموعد، مع المادة 230 من الدستور الجديد.
وتعددت التصريحات بعدها ومن السيسي نفسه عن إجرائها قبل نهاية العام الماضي، وفي نوفمبر، وقبل شهر من الموعد المحدد، عاد ليتحدث عن إجرائها قبل المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في مارس القادم، وسار على نفس النهج رئيس الوزراء إبراهيم محلب، ووزير العدل والتنمية المحلية. ويبدو أن النظام في مصر لم يكن راغبا أصلا في إجراء تلك الانتخابات، وسمح للمقربين منه في أجهزة الإعلام، بإيجاد مبررات لذلك، والتي تمحورت حول أسباب واهية، ومن ذلك ضعف حالة الأحزاب السياسية، ووجودها الهش في الشارع المصري، دون إدراك بأن هذا الوضع ليس جديدا، وتعاني منه مصر منذ بداية التجربة الحزبية نفسها في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومع ذلك تمت العديد من الانتخابات البرلمانية في مصر، كما طرح مبرر أكثر فجاجة، ومن ذلك الدعوة إلى تأجيل الانتخابات، تحت ذريعة أن الظرف السياسي ليس في حاجة لمجلس النواب أصلا، في ظل وجود رئيس يتمتع بشعبية واسعة، كما يقولون ويملك حق التشريع، في غياب مجلس النواب، ويسعى إلى تحقيق برنامج طموح للنهوض بمصر، وليس من المفيد خلق كيان تشريعي، قد يعرقل حركته، ويتناقض مع رؤيته، بل تجاوز البعض، ودعا إلى تعديل الدستور، المستفتى عليه منذ أشهر قليلة، لإضافة سلطات جديدة للرئيس، من تلك التي تم نزعها منه لصالح زيادة صلاحيات مجلس النواب.
وأخيرا نشطت اللجنة العليا للانتخابات، واتخذت أغرب قرار وغير مسبوق، عندما حددت موعد إجراء الانتخابات والتي ستجرى في 21 مارس القادم، دون أن تحدد موعد فتح باب الترشيح، ومدته أو موعد إعلان الأسماء، أو مواعيد الطعون والتظلمات، والفصل فيها، ومواعيد الدعاية الانتخابية. والمخالفة واضحة في تجاوز اللجنة، وعدم إعلان فتح باب الترشح في 21 يناير الماضي، نظرا لضرورة وجود مهلة شهرين، بين فتح باب الترشيح وإجراء الانتخابات، مما يظهر تماما بأن قرار إجراء الانتخابات كان ضرورة خارجية، أكثر من إرادة سياسية أو التزام قانوني، والهدف منه تشجيع دول الغرب على المشاركة في المؤتمر الاقتصادي، خاصة أنها تربط بين عودة وتيرة استثماراتها، ومساعدتها الاقتصادية لمصر وبين الانتهاء من آخر استحقاق لخريطة الطريق، ووجود مجلس نيابي في مصر.
في المقال القادم، نستأنف الحديث عن الانتخابات الأغرب في تاريخ مصر لمجلس النواب الجديد.
usama.agag@yahoo.com •