نبيل العربي..!!
28 مارس 2015 , 02:23ص
دخلت مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية، وهي تحت الترميم، بعد قرار عودة العلاقات المصرية العربية، في قمة المغرب في العام ١٩٨٩، بعد سنوات تم نقل المقر إلى تونس العاصمة، نتيجة توقيع الرئيس الأسبق محمد أنور السادات على اتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد. أتاح لي ذلك التعرف على عمل الشاذلي القليبي أول أمين عام غير مصري للجامعة العربية، في الأشهر الأخيرة، ومتابعة عمل من خلفوه في المنصب، وهم ثلاثة الراحل الدكتور عصمت عبدالمجيد، وعمرو موسى، والأمين العام الحالي الدكتور نبيل العربي. القواسم المشتركة بين الثلاثة عديدة، منهم أنهم جميعا من مصر، كما جرى العرف، وليس كما ينص ميثاق الجامعة، أن يكون الأمين العام من دولة المقر، وهو ما حدث مع القليبي، عندما انتقلت الجامعة إلى تونس، وهم جميعا جاؤوا إلى المنصب عبر توليهم لمنصب وزير الخارجية المصرية، دون أن ينفي ذلك وجود اختلافات، وأحياناً جوهرية، تتعلق بالسمات الخاصة لكل منهم، وأسلوب عملهم، والظروف السياسية التي تولى فيها المنصب، التي فرضت نفسها بالضرورة عمل كل منهم.
والقراءة المتأنية من خلال رصد لأكثر من ٣٠ عاما من عملي في الشأن العربي، أقول: إن عمل الزمن، والظرف السياسي، فرض نفسه وبشدة، على كل حقبة من حقب الأمناء الثلاثة، فقد تولى الدكتور عصمت عبدالمجيد مهام منصبه في أعقاب فترة توابع الزلزال، الذي اجتاح العالم العربي، عندما قام عراق صدام حسين بغزو دولة جارة هي الكويت، وراح يتحدث عن عودة الفرع إلى الأصل، والغريب أن النظام العربي الرسمي، عجز تماماً عن التعامل مع أزمة بتلك الحجم، وخرجت التحركات إلى الإطار الدولي، بعد فشل الحل العربي، ودخلت الدول العربية، ضمن تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لتحرير الكويت. وهو مأتم بعدها بأشهر قليلة، وكان من نتيجة ذلك تغيير كيفي في أولويات العمل العربي المشترك، بل إن هناك على مستوى الشعوب، والنخبة من كفر أساساً بذلك العمل، أو بانتمائه إلى العروبة، كما خلقت معارك تحرير الكويت مشاعر بأن إسرائيل لم تعد تمثل العدو الأكبر، بالنسبة للعديد من الدول العربية، الذي استشعر بخطورة إيران من ناحية، أو استمرار نظام صدام حسين في العراق.
وكان من الطبيعي أن تكون مهمة الدكتور عصمت عبدالمجيد، والتي استمرت على مدى دورتين، قضى خلالها ١٠ سنوات كاملة، هي وقف التدهور في العلاقات العربية العربية، وإعادة الاعتبار من جديد إلى العمل العربي المشترك، والجامعة العربية، والتي كادت أن تضيع، مع تعزيز وجود المنظمات الجهوية داخل النظام العربي، مثل مجلس التعاون الخليجي، الذي أثبت قدرة فائقة على الصمود، في مواجهه حربين، الأولى بين العراق وإيران، والثانية تلك التي استهدفت كيان إحدى دول المجلس، وكانت إحدى نتائج حرب تحرير الكويت، ظهور كيان جهوي جديد، يشمل دول إعلان دمشق، بانضمام دول الخليج مع شركاء حرب تحرير الكويت، مصر وسوريا، وكذلك اتحاد المغرب العربي، ونجح الدكتور عصمت عبدالمجيد في مهمته، مستغلاً قدراته الدبلوماسية الفائقة؟ وأدبه الجم؟ وهدوءه الشديد، ونجح ربان السفينة من الخروج بها سالمة، من البحر المتلاطم، والأمواج العاتية في المنطقة العربية، وتحمل الرجل الكثير في سبيل تحقيق الهدف منه.
ودخلت الجامعة العربية حقبة عمرو موسى، الذي تولى مهمته، ووراءه إنجازات مهمة، أثناء وجوده على رأس مدرسة الدبلوماسية المصرية، وكذلك كاريزما طاغية، وحب جماهيري كاسح، وصل إلى أن يغني له المغني الشعبي شعبان عبدالرحيم «باكره إسرائيل.. وبحب عمرو موسى». ولكنه ظل داخله شعور بأنه في الجامعة كعقاب على تلك النجومية، وشعور الرئيس المخلوع بخطورته على شعبيته، وحاول الرجل قدر استطاعته، وبقدر ما تسمح به إمكانات الجامعة العربية، التي يتوقع منها الشعوب العربية الكثير، ولا تقدم سوى القليل، ليس لبخل القائمين عليها، ولكن لأنها مرآة العالم العربي، هي قوية طالما كانت الدول على نفس المستوى، هي صافية وبدون شوائب، إذا كان ذلك هو حال العالم العربي، وقدم موسى الكثير من المبادرات، التي تحمس لها ومنها اتفاقية الأمن والسلم العربية، التي تتضمن آلية لحل المنازعات العربية، والتنبؤ بها، والتعامل معها عن طريق مجلس حكماء، وقوات حفظ سلام، ونجح في تمريرها، ولكنها تراوح مكانها، نظرا لأن الدول وافقت عليها دون أن تصادق عليها حتى الآن، وطرح مشروعا طموحا، هو تنظيم لدول الجوار العربي، حاول أن يوسع من دائرة تأثير الجامعة، بضم دول مثل إيران وتركيا وإثيوبيا إلى المنظومة الجديد، وتم إجهاض المشروع في المهد، رغم قناعته الشديدة بها بعد قمة سرت العربية.
ومع نسمات الربيع العربي، التي هبت على المنطقة من تونس، حاول عمرو موسى تغيير مسار الجامعة العربية، متأثرا بصيحات الملايين من المصريين والعرب، التي خرجت ضد أنظمة فاسدة، تطالب بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية، خاصة أن مكتبه في الأمانة العامة للجامعة، يطل على الميدان الأشهر في مصر، ميدان الثورة الذي يطلق عليه التحرير، فانحاز إلى الجماهير، ونسي أنه على رأس جامعة للدول العربية وأنظمتها، فكان وراء تعليق عضوية ليبيا في الجامعة العربية، في إجراء غير مسبوق، بعد أن سلم المقعد إلى المعارضة. تغيير عمرو موسى كان وراءه سقف طموحات ارتفع، واعتقاد بأنه قد يكون رجل مصر القادم، بعد خوضه للانتخابات الرئاسية، فقرر وقف السعي إلى التجديد في منصبه، ليفتح الطريق أمام الأمين العام الثالث الدكتور نبيل العربي.
جاء العربي إلى موقعه دون أن يسعى إليه، بعد أن كان راضيا بوجوده كوزير الخارجية المصرية، ولكنه كان الحل الأمثل لحالة غير مسبوقة، في اختيار الأمين العام للجامعة العربية، حيث استمرت المنافسة بين مرشحين هما الدكتور مصطفى الفقي مرشح مصر، وعبدالرحمن العطية الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي مرشحا من دولة قطر، وكانت كل المؤشرات تدل على أن مصر قد تفقد المنصب، إذا وصل الأمر إلى الاقتراع، نظرا لكثرة التحفظات على المرشح المصري، والتأييد الواسع لترشيح العطية، فكان الحل الذي تم طرحه في الساعات الأخيرة، هو تبديل المرشح المصري بالدكتور نبيل العربي، على أن يتم التوافق حوله، ولا يتم الذهاب إلى الاقتراع، وهو ما حدث بالفعل، مما جعل الرجل يتعرض إلى حملة أكاذيب، واتهامه بأنه مرشح قطر، ولم يكن كذلك، بل مثل حلا مناسبا، يضمن استمرار المنصب في دولة المقر، كما جرى العرف، وعانى الرجل من أوضاع زمن الربيع العربي القصير، ونجاح الثورات المضادة في بعضها، وكان عليه أن يتعامل مع أزمات من نوع جديد، صراعات داخلية مثلما عليه الوضع في ليبيا، ودول تتفكك كما في الحالة اليمنية، وأنظمة تصارع من أجل البقاء، حتى ولو كان الثمن هو فناء شعوبها، وتنظيمات إرهابية تتجاوز الدولة الوطنية، ومازالت الجامعة، تحارب هي الأخرى من أجل البقاء.
ويصبح السؤال هل يستمر العربي في منصبه؟ أم يستجيب القادة إلى رغبته، في عدم التجديد له، والتي تفتح الطريق أمام فكرة مطروحة، ولكن يتم إجهاضها، هل يغلب العرف الميثاق؟ وهل تبدأ مرحلة تدوير المنصب؟ السؤال مازال عصيا على الإجابة!!
usama.agag@yahoo.com •