الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
08:36 م بتوقيت الدوحة

الدور المفقود..!

أسامة عجاج
التأييد السريع والمباشر، من الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، للفكرة التي طرحها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حول تشكيل قوة عربية موحدة، وجاءت عرضا في خطاب أخير له الأسبوع الماضي، يثير العديد من التساؤلات. في المقدمة منها، هل مثل هذا الموقف يتعلق برؤية شخصية من الرجل؟ وهو قيمة وقامة في العمل الدبلوماسي، أو أنها بحكم منصبه. إذا كانت الأولى، فليس هناك حكر على أي شخص، مهما كان في أن يطرح ما يراه من أفكار، ويتبنى من معتقدات. أما إذا كانت الثانية، فالأمر يتعلق بتجاوز صلاحياته كأمين عام، يعبر عن كل الرؤى العربية، خاصة أن مثل هذا التأييد، والفكرة في حد ذاتها، لم يتم مناقشتها في أروقة الجامعة العربية، وعلى أي مستوى. والدليل من تصريحات العربي ذاته، عندما أشار إلى أنه «أرسل رسائل إلى وزراء الخارجية العرب، لاستطلاع آرائهم بشأن تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950، وننتظر الردود»، مشيراً إلى «أن تفعيل الاتفاقية، ربما يتطلب اجتماعات لوزراء الدفاع والداخلية العرب، إلى جانب وزراء الخارجية»، ويُفهم من كلام العربي، أنه لم يتلق حتى الآن ردودا، والأمر مطروح في اجتماعات الدورة العادية لوزراء الخارجية العرب في 8 مارس القادم.
ولعل الأمين العام، هو أول من يدرك أن مثل هذه الأمور، لا تعالج بتلك الآلية، أو بهذا الأسلوب، خاصة أن الاتفاقية التي أشار إليها الدكتور نبيل العربي موقعة في عام 1950 وكثيرا ما اشتكى هو شخصيا من تقادم ميثاق الجامعة العربية، ووصف الأمانة بسيارة موديل 1945، ومطلوب منها أن تتعامل مع ظروف 2015، ويستطيع أي فرد أن يكتشف عدم ملاءمة تلك الاتفاقية للعمل بها، أو تطبيق نصوصها، مع اختلاف طبيعة المخاطر التي تستدعي تشكيل القوة العربية الموحدة، والتي كانت قاصرة على مساعدة الدول العربية على نيل استقلالها من الاحتلال الأجنبي، أما الآن فهناك تهديدات ومشاكل داخلية، ومواجهة لمجموعات إرهابية، ويبدو أن علينا أن نذكر الأمين العام بأنه جرت محاولة لإنشاء مجلس السلم والأمن العربي، تم إقراره في 2006 في قمة الخرطوم العربية، ورغم اكتمال التصديق عليه، والبحث في آلياتها المتعلقة بإقرار نظام للإنذار المبكر، وهيئة حكماء وقوات حفظ سلام عربية، وبعثات مراقبة، فإنه لم يتم التوافق على التعديلات المطلوبة على النظام الأساسي للمجلس، والأمر مطروح على اجتماعات وزراء الخارجية القادم.
كما أن السوابق التاريخية للتدخل العربي في أزمة، تتعرض لها إحدى دول الجامعة إما تمت بعيدا عنها، ولم يكن لها دور فيها، ومن ذلك التحالف الدولي لتحرير الكويت، والتي تم عبر قرارات دولية صادرة من مجلس الأمن تحت البند السابع، وكان مثلا نموذجيا لاعتداء دولة عربية على أخرى جارة لها، وشكل لذلك الغرض تحالف دولي قادته واشنطن، وبمشاركة عدد من الدول العربية الرئيسية مثل: مصر ودول الخليج وسوريا، كما أن تجربة التدخل الخليجي في أحداث البحرين تم في إطار منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وميثاقه يسمح بمثل هذا العمل، كما أن بعض تجارب التدخل العربي تنتهي بكارثة، ومن نموذج ذلك التدخل المصري في اليمن في منتصف ستينيات القرن الماضي، صحيح أنه أنجز مهمة تحرير دولة، ولكنه انتهى بكارثة نكسة 1967، عندما دخل الجيش المصري مواجهة مع إسرائيل، وهو منهك نتيجة تورطه في حرب اليمن، وهناك تجربة قوات الردع العربية في لبنان بعد الحرب الأهلية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت في معظمها قوات سورية، فتحولت إلى قوة احتلال تحت غطاء عربي، بعد أن أصبحت جزءا من الأزمة.
أما الدعوة نفسها التي أطلقها الرئيس المصري، فتثير الكثير من الشكوك، رغم أن ورودها في سياق خطابه جاء في إطار حديثه عن اتصالات تلقاها من ملك الأردن وولي عهد أبوظبي، عرضا خلالها المساعدة العسكرية لمصر، بعد الحادث الإجرامي الذي استهدف عددا من المواطنين المصريين في ليبيا على يد جماعة داعش الإرهابية، وقال السيسي تحديدا: «إننا في حاجة إلى قوة عسكرية عربية موحدة، كما أن توحيد القوة العربية أصبح أكثر إلحاحا، مع التحديات الضخمة التي تواجه المنطقة». وهناك مساران للنظر إلى تلك الدعوة:
الأول: يتعلق بالتغطية على الفشل السياسي، والانتكاسة على المستوى الدبلوماسي في الأمم المتحدة، عندما بدأت بعد ذلك الحادث الإرهابي الحديث عن تحالف دولي عسكري يسمح لمصر بالتدخل في ليبيا تحت غطائه، وروج الإعلام المصري أن هناك ترحيبا دوليا، أو على الأقل توافقا، مع مثل فرنسا وإيطاليا لمثل تلك الفكرة. وسعت مصر عن طريق الأردن، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن، إلى طرح مشروع قرار يتضمن إدانة ما حدث للعاملين المصريين هناك، وهو أمر مفروغ منه، وعبرت عنه بيانات من العديد من دول العالم. أما الاختلاف كان حول رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي، وحول فكرة التحالف ذاتها. ونظرا لعدم تمرير القرار، ووجود رغبة ودعم دولي لجهد المبعوث الأممي الخاص لليبيا، والذي يقود حوارا بين الأطراف السياسية المتصارعة في ليبيا، فيبدو أن مصر وجدت أن المظلة العربية لفكرتها قد تكون أهون وأسهل من الدولية؛ فتم طرح حكاية القوة العربية الموحدة.
الثاني: أن الفكرة مخطط لها، ويتم الإعداد لها منذ فترة ليست قليلة، ومؤشرات ذلك عديدة، ومنها الإعلان المصري عن تشكيل قوات انتشار سريع قادرة على التدخل خارجيا وداخليا في الأزمات، قبل أيام من ترشح السيسي للرئاسة وتركه لمنصبه كوزير للدفاع، مضافا إلى ذلك حديثه الدائم عن ارتباط أمن مصر بدول الخليج، وعبارته الشهيرة «مسافة السكة»، للتدليل على سرعة التدخل إذا تعرضت دول الخليج لأي خطر، بالإضافة إلى قيام الطائرات المصرية بهجمات على درنة الليبية في أول خروج للقوات المصرية وبشكل علني، في عملية خارج مسرح العمليات منذ سنوات طويلة.
ومهما كان الأمر «فالشياطين تكمن في التفاصيل». فهناك عشرات الأسئلة والاستفسارات حول الفكرة، إذا تم التوافق على طرحها على الاجتماع القادم لوزراء الخارجية، أو تم تصعيده للقمة العربية في شرم الشيخ في نهاية مارس القادم، ومن ذلك كيف سيتم تشكيل تلك القوات؟ ومن سيتولى تمويلها؟ وقيادتها؟ وأين ستكون مراكز القيادة الخاصة بها؟ والأهم من ذلك من الذي سيحدد أن تلك المشكلة تحتاج إلى تدخل عسكري، خاصة أن هناك خلطا واضحا بين مشاكل داخلية، تعاني منها دول عربية بين جماعات سياسية، يمكن أن تسعى دول أخرى إلى طلب التدخل لتحقيق مصالحها، لانحيازها لهذا الطرف أو ذاك، والنموذج الليبي خير دليل، هناك دول عربية مع عملية «كرامة ليبيا»، وأخرى مع «فجر ليبيا»، وثالثة إما غير مهتمة، أو مع الحوار السياسي، كما أن هناك مراحل عديدة تسبق فكرة التدخل العسكري، فمن الذي يقرر أن كل تلك البدائل قد فشلت. وماذا عن إسرائيل؟ التي سبق أن اعتدت على عواصم عربية مثل بيروت وهاجمت قطاع غزة أكثر من مرة.
أرجو ألا تكون الفكرة بحثا عن دور مفقود لم تعد تسمح به الظروف؛ فنحن نعيش في قرن جديد، وغادرنا ستينيات القرن الماضي بسنوات طويلة.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

حوار الطرشان!!

18 يوليو 2015

الفزاعة ...!

30 يناير 2016

جماعة تحت الطلب!

25 أغسطس 2016

سيناء الوعد المزعوم..!

04 مارس 2017

ضيف شرف!

09 سبتمبر 2017