


عدد المقالات 369
أعلم سلفاً أنني أدلف إلى موضوع معقد حين أتناول موضوع الجنائية والرئيس البشير؛ لذا رأيت أن أتناول فكرة الجنائية بعد أن أنحي في البداية شبهات الانحياز وازدواجية المعايير التي يقول بها خصوم الجنائية، وأنحي جانباً مبررات الحرب التي يقول بها أنصار البشير لأتساءل بعدها: ومع ذلك هل تعتبر الجنائية هي الأداة الأمثل لتحقيق العدالة الدولية؟ لا يختلف كل أعضاء الأسرة الدولية على استبشاع الحرب وتجريم كل من يتورط في فظائعها، لكن تجربة المحكمة الجنائية أثبتت من جديد غياب معايير محددة تتوافق عليها الأسرة الدولية لخلق نظام عالمي موحد، عدلي كان أو غير ذلك، حيث تختلف الثقافات وتختلف المنطلقات السياسية.. فقد سبق أن شجر خلاف كبير في منظمة اليونسكو التي لا يبدو من طبيعتها أنها مرشحة للخلاف. لكن التباين الثقافي جعل الولايات المتحدة ثم بريطانيا تنسحبان من المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، احتجاجاً على ما اعتبرته الدولتان انحيازاً من المنظمة ضد الغرب. وعليه لا يستغرب أن تكون الجنائية مرشحة بحكم طبيعتها الخشنة وتداعيات قراراتها إلى خلافات كثيرة حول طبيعة وحدود سلطات المحكمة، هذا ما يفسر عدم تجاوب كثير من الدول الإفريقية مع نداءات الجنائية، وليس صحيحاً ما يروج له البعض بأن الحكام الأفارقة يعارضون الجنائية لتورطهم في انتهاكات قد تقودهم إلى لاهاي؛ يدحض هذه المزاعم أن دولتي نيجيريا وجنوب إفريقيا اللتين حضرتا بقوة في موضوع الجنائية والبشير تتبعان نظاماً ديمقراطياً حقيقياً، وعلمانية لا ترشحهما للتعاطف مع نظام السودان الإسلامي. يعرف أيضاً أن الالتزام الكلي بمبدأ عام ينظم العلاقات بين الدول، أدعى إلى تحقيق الاستقرار ولو حمل المبدأ بعض العلل؛ لذا تتوافق الكيانات الإقليمية والدولية على مبادئ عامة، ولا تلتفت لبعض دواعي نقض الالتزام حتى لا تفتح بابا للانتقائية يهز الاستقرار ويحدث الفوضى. فقد توافقت دول القارة- مثلاً- على قبول الحدود السياسية الموروثة من المستعمر رغم ما تحمله من تشوهات. كما رسخ عندها مبدأ احترام السيادة الوطنية حتى لا تفتح باب التدخلات الخارجية بدعوى تصحيح أوضاع داخلية. وقد استفاد الرئيس البشير من حرص الدول الإفريقية على عدم المساس بمبدأ احترام السيادة الوطنية باعتباره مدعاة للاستقرار. ويبدو أن تجارب سابقة خرقت هذا المبدأ قد عززت القناعة بضرورة التمسك به، حيث أحدثت تلك الخروقات جدالاً لن ينتهي، مثل واقعة الإطاحة بالرئيس الأوغندي إيدي أمين بتدخل عسكري مباشر من تنزانيا. وعلى مستوى آخر واقعة الإطاحة بالمجري أمير ناجي والتشيكي دوبشيك والعراقي صدام حسين. ما زال مبدأ السيادة الوطنية راسخاً وسبباً في الاستقرار؛ إذ لم تبلغ البشرية بعد وضعاً أممياً بحيث تدار الأرض من مركز واحد وبفهم مشترك، ويضعف أيضاً من فكرة وجود مركز عالمي واحد لتسيير العدالة الدولية أن تاريخ الذين يرشحون أنفسهم لهذا الدور غير خال من مواقف غير مشرفة وانتهاكات، فرغم تفوق الغرب في التجربة الديمقراطية ونجاحه الباهر في تأسيس نظام ديمقراطي داخلي فإن مسلك ذات الدول في معالجة الشأن الدولي يجانب الديمقراطية وينتهك حقوق الشعوب، لم يكن الغرب- رغم دعاوى الحرية وحقوق الشعوب- مناصراً لقضية شعب جنوب إفريقيا رغم عدالتها. وظل نيلسون مانديلا سجيناً لعقود من الزمن باعتباره إرهابيا لا بمقاييس حكومة جنوب إفريقيا العنصرية فحسب، بل بمعايير الغرب أيضاً، قبل أن يُبدِّل معاييره ويعتبر إرهابي الأمس رمزاً للحرية. هذا التقلب في معايير الجريمة والبطولة يمنح ذرائع للتشكيك في نوايا الغربيين حين يطرحون أنفسهم أوصياء على قضايا التحرر وعلى حقوق الشعوب، بل إن الديمقراطية ذاتها قد تتعرض لانتهاك غربي كما حدث مع تجربة تشيلي حين شاركت الولايات المتحدة في إسقاط واغتيال الرئيس المنتخب سلفادور الليندي. إن المعنيين في المقام الأول بموضوع الجنائية هم السودانيون، الذين يختلفون حول البشير، فمنهم من يراه فاشلاً ومتورطاً في جرائم حرب، ومنهم من يراه قد تصدى لمسؤوليته في مواجهة تمرد مسلح بادر بالخروج على الحكومة المركزية. لكن الجنائية قد شغلت الفريقين عما هو أهم من إجراء قانوني لن يخدم قضية السودان ولو اكتمل تماماً في مواجهة البشير، أعني نار الحرب ذاتها التي أفرزت موضوع الجنائية كواحد من تداعيات الحرب، لكن الإفراز العرضي شغل الفريقين عن الداء اللعين، وبهذا الترتيب المخل أصبحت ملاحقة البشير أهم من واجب إنهاء الحرب، وعذراً للانصراف عن البحث في أسبابها الذي سوف يقود حتما لمساءلة (وطنية) لجهات غير البشير أسهمت في إطالة أمد الحرب، ولو كان إسهامها بدرجة أقل. وفوق كل ذلك، وأخطر من كل ذلك، قد يكون المعني بالقضية السودانية قد تلهى بالجنائية حتى نسي أن حل القضية السودانية في أيدي السودانيين، ولو كانت أيادي الأوصياء الدوليين نظيفة طاهرة فما بالك وتاريخ الأوصياء لا يطمئن؟ هذا على أقل تقدير وأخف وصف. • aim.hamad@yahoo.com
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...