كلمة حق أريد بها باطل!!
27 يونيو 2015 , 04:11ص
في مصر لا يعلو شعار فوق تجديد الخطاب الديني، الموضوع مطروح وبشدة بعد أن طالب به الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في العديد من المناسبات، ووصل الأمر إلى مطالبته بثورة دينية، واستدرك الأمر بعد ذلك إلى أنه لا يقصد بالطبع ثورة على الدين بل الخطاب الديني، وكرر الأمر في احتفالات عديدة سواء كانت دينية أو غيرها، وفي أحدها قال نصا مخاطبا شيخ الأزهر «أطالب علماء الأزهر بتحمل مسؤولياتهم تجاه تجديد الخطاب الديني وسأحاججهم يوم القيامة أمام الله إن لم يفعلوا ذلك».
والقضية من الخطورة بمكان وليست بتلك السهولة ولا البساطة التي يتعامل بها البعض كما أنها لا يجوز أن تتحول إلى عامل من عوامل الصراع السياسي بين الدولة وتيارات الإسلام السياسي، وتحتاج منا التوقف عند العديد من الملاحظات والإشكاليات حولها:
أولا: التسييس الواضح للقضية ومحاولة استخدامها في الصراع الدائر في مصر بين النظام وتيار الإسلام السياسي، وهو أمر لا تخطئه العين من خلال إلحاح الرئيس المصري على سرعة إنجازها في محاولة تحميل الفكر الديني مسؤولية العمليات الإرهابية في مصر والخلط الواضح بين الجماعات المتطرفة التي تقوم بذلك وبين جماعة الإخوان المسلمين، يضاف إلى ذلك أن الفكرة وطرحها كان الهدف منها مخاطبة دول الغرب التي تعيش ظاهرة الإسلامافوبيا المرتبطة بعدم التفريق بين الدين الإسلامي والمسلمين بصفة عامة وبين مجموعات متطرفة مثل «الدولة الإسلامية «والقاعدة رغم أن أول من نالهم آذاها هم الشعوب الإسلامية نفسها، وعلينا أن نعترف أن فكرة تجديد الخطاب الديني من الرئيس المصري نالت استحسانا من العديد من عواصم الغرب واعتبرته شريكا مهما في مواجهة الإرهاب في المنطقة.
ثانيا: تجديد الخطاب الديني ليس قضية مصرية فقط مع تعدد المؤسسات الدينية على مستوى العالم العربي الإسلامي. صحيح أن الأزهر أحد القلاع المهمة والمدارس الفكرية ولكن ذلك لا يعني تفرد المؤسسات الرسمية الدينية المصرية بقضية على درجة من الأهمية والخطورة خاصة أن هناك من سيتأثر بالضرورة بما سيتم التوصل إليه من نتائج ولعل من المنطقي والمناسب دعوة مؤسسات دينية أخرى للبحث في تلك القضية وما أكثرها في العالم العربي والإسلامي ومنها منظمة التعاون الإسلامي ولديها العديد من اللجان التي يمكن أن تعمل على تلك القضية، وكذلك هيئة علماء المسلمين وحكماء المسلمين إذا حسنت النوايا وصدقت المساعي.
ثالثا: أن القضية دخلت كأحد محاور الخلاف بين الأزهر الشريف وشيخه الدكتور أحمد الطيب وبين وزير الأوقاف محمد مختار جمعة ورغم أن الأول هو صاحب الفضل في تقديم الثاني ووصوله إلى منصبه كوزير للأوقاف، ولكن الأخير يملك طموحا سياسيا ليس له سقف ويطمح في خلافة الشيخ ويستخدم الإعلام القريب منه في تلك المعركة، خاصة أن الهجوم المستمر على الرجل ومشيخة الأزهر قد تدفعه إلى الاستقالة فهو محصن وفقا للعرف السائد في مصر ضد العزل وخاصة بعد أن دخل على خط الهجوم على الرجل جهات رسمية مثل وزير الثقافة السابق الذي أقيل من منصبه نتيجة استمرار ذلك الهجوم من وزير في الحكومة يضاف إليهم مجموعة من أهل اليسار والليبراليين وهم قلة في العدد ولكن لهم سيطرة على الإعلام في مصر.
ويبدو أن الوزير هو أقرب لدوائر صنع القرار والرئاسة من خلال قراراته وتحركاته ومواقفه الحاسمة ضد تيار الإسلام السياسي كما أنه يتم استخدامه كرأس حربة ضد التيار السلفي والذي يقلق الدولة ولكنها لا تستطيع الاستغناء عنه خاصة حزب النور باعتباره أحد شركاء أحداث ٣ يوليو ٢٠١٣، وقد تعددت مظاهر الخلاف بين الرجلين لدرجة أن البعض يحمل الوزير مسؤولية إدارة الحملة ضد الأزهر وشيخه والاتهامات الخاصة بوجود إخوان مسلمين في مشيخة الأزهر ومن كبار المسؤولين المحيطين بالشيخ وآخرها مقاطعة الشيخ لكل المناسبات والاجتماعات التي يدعو إليها الوزير، ومنها المؤتمر السنوي للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كما قام الشيخ أحمد الطيب باستبعاد الوزير من عضوية المكتب الفني له، ولعل من أحد أهم أشكال الخلاف بين الجهتين هو المؤتمر الذي دعي إليه وزير الأوقاف بمشاركة عدد من العلماء والمفكرين والمبدعين والمثقفين والفنانين وممثل الكنيسة المصرية للبحث في آليات تجديد الخطاب الديني وأصدر في نهايته وثيقة الأوقاف الوطنية، وفي اليوم التالي يعقد شيخ الأزهر لقاء مع عدد من المفكرين والمثقفين لمناقشة الوثيقة السادسة التي يصدرها الأزهر حول نفس الموضوع بعد أن سبق له إصدار وثائق مستقبل مصر في يونيو ٢٠١١، وأصدر وثيقة أخرى في أكتوبر من نفس العام حول ثورات الربيع العربي كما أصدر وثيقة الأزهر للحريات والفن والإبداع في يناير من عام ٢٠١٣، أصدر وثيقة نبذ العنف، وفي يونيو من نفس العام أقر وثيقة حول الأزهر وحقوق المرأة.
رابعا: أن تناول كل من الجهتين يمكن أن نطلق عليه «الهزل في مواقف الجد» من خلال استعراض نماذج من المشاركين في اجتماع الشيخ أو مؤتمر الوزير أو من النتائج التي خرج بها مؤتمر الوزير فمعظم المشاركين لا علاقة له بالقضية مثل عمرو موسى ووزير الشباب والرياضة ووزير الثقافة والفنان محمد صبحي والدكتور مصطفى الفقي ومن رجال الإعلام حلمي النمنم صاحب التعبير الشهير بأن «مصر ليبرالية الهوى» والمذيع أسامة كمال أو جلاء جاب الله رئيس مجلس إدارة دار التحرير ومحمد عفيفي من المجلس القومي للثقافة، ولم يختلف الوضع في اجتماع الشيخ ومن الحضور أحمد المسلماني وعمرو عبدالسميع وسكينة فؤاد وعمار علي حسن وجمال الغيطاني ويوسف القعيد ومنى مكرم عبيد وناجح إبراهيم ورجائي عطية وعبدالله السناوي وسناء البيسي ونقيب الصحافيين يحيى قلاش وهم خليط من علمانيين ونماذج قد تكون مشهورة في محال تخصصها، ولكنها ليست مؤهلة بالضرورة للبحث في قضية كهذه، وكان هذا وراء العموميات الشديدة في وثيقة مؤتمر وزير الأوقاف التي تضمنت من بين بنودها ضرورة تبني خطاب ثقافي وفكري يدعم تأسيس الدولة الوطنية ويرسخ مفاهيم الولاء الوطني والدعوة إلى التعاون بين المؤسسات الدينية والعملية والتعليمية والفنية والإعلامية في إنتاج خطاب عقلي وعلمي وثقافي وديني وتربوي ووطني وبناء مناهج التربية الدينية على معايير ومؤشرات تعزز الفهم الصحيح للدين، وتنظيم ندوات ودورات ومحاضرات في كل أنحاء مصر وحشد طاقة المجتمع كله لمحو الفكر المتطرف والاستفادة القصوى من وسائل الإعلام.
خامسا: أن التركيز فقط حول قضية تجديد الفكر الديني وتحميله مسؤولية كل أزمات مصر دون أي اهتمام بما يمكن تسمية ترشيد ولن نقول تجديد الفكر العلماني في مصر، والذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة ومنها التبشير بالإباحية والدعوة إلى تحليل ممارسة الجنس خارج إطار الزواج وتقنين الزنا والدعوة إلى الإلحاد، وهناك من يسعى إلى إطلاق فضائية لهذا الغرض والطعن في الأئمة الأربعة والتشكيك في مسائل دينية مستقرة.
إنها دعوة مطلوبة ولكن بشروط صارمة ومنها البعد عن التسييس وإن التجديد لا يعني الهدم وإلا تحول الأمر إلى دعوة «حق يراد بها باطل».