alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

المتنبي وفلسفة الموت

26 أكتوبر 2016 , 01:59ص

لم يترك أبو الطيب غرضاً من أغراض الشعر إلا وضرب فيه بسهم، وكنت أسترجع قبل أيام بعض أبياته في وصف الموت فهالني الوصف، فتراه يقرر حقيقة الموت بشيء من فلسفته الغريبة، فيخبرك أن الموت سارق لا يُرى بأعين المجردة: وما الموْتُ إلاّ سارِقٌ دَقّ شَخْصُهُ يَصولُ بلا كَفٍّ ويَسعى بلا رِجْلِ وينبهنا إلى أننا أموات بنو أموات، فما بالنا إذن نخاف من الموت؟: نحنُ بَنُو المَوْتَى فَمَا بالُنَا نَعَافُ مَا لا بُدّ من شُرْبِهِ؟! من هنا تتضح رؤية أبي الطيب لفلسفة الموت، فالموت لا يستثني أحداً، تساقط الناس على مر العصور؛ ملوكاً وأمراء، ووزراء، وفقراء وأغنياء، كلنا أموات، والموت هو النومة الطويلة التي لا يستيقظ منها الإنسان، ولا ينقلب عن جنبه: لا بُدّ للإنْسانِ من ضَجعَةٍ لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنبِهِ! هذه النومة تُنسيه كُلَّ شيء: يَنسى بها ما كانَ مِن عُجْبِهِ وَمَا أذاقَ المَوْتُ من كَرْبِهِ فلماذا إذا عرفنا هذه الحقائق نبخل على زماننا بأرواحنا؟: تَبخَلُ أَيدينا بِأَرواحِنا عَلى زَمانٍ هِيَ مِن كَسبِهِ ويُغرِقُ أبو الطيب في الفلسفة، فيرى أن أرواحنا اللطيفة هي من هواء هذا الزمان، وأجسادنا من تراب هذه الأرض، فهل يصح بعد ذلك أن نبخل بأن نموت؟! فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ ويستوي في هذا المصير المحتوم راعي الغنم، الذي يقضي حياته في القفار ينعق بغنمه، والطبيب الحاذق، الذي هو في طبِّه كطبِّ (جالينوس) عظيم اليونان في الطب في عصره، ذاك يرعي الضأن، ويجهل أمور الطب ويدركه الموت، كما يدرك هذا العالم الحاذق: يَمُوتُ رَاعي الضّأنِ في جَهْلِهِ مِيتَةَ (جَالِينُوسَ) في طِبّهِ لكل داءٍ دواءٌ، إلا الموت، مفرق الأحباب؛ فإنه لا دواء له، وقد عجز أطباء الدنيا: وَقَدْ فارَقَ النّاسَ الأحِبّةُ قَبْلَنَا وَأعْيَا دَوَاءُ المَوْتِ كُلَّ طَبيبِ بيّن صاحبي أبو الطيب في فلسفته حكمة الموت؛ لئلا تمتلئ الأرض بالناس فيفسد عيشهم، ولا يستطيعون الذهاب والإياب من زحمة الناس، هل تخيلتم العيش مع من كان قبلنا، ممن سبقونا إلى الدنيا؟: سُبِقْنَا إلى الدّنْيَا فَلَوْ عاشَ أهْلُها مُنِعْنَا بهَا مِنْ جَيْئَةٍ وَذُهُوبِ! لم يبق بعد هذا جدوى في البكاء على الدنيا الدنيئة، التي جعلت في كل بيتٍ مصيبة، تفرق الأحبة، وتشتت الشمل، وتطفئ شموساً كانت مضيئة في منازل الكرم، فذهبت وذهب الكرم: نَبْكي على الدّنْيا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ جَمَعَتْهُمُ الدّنْيا فَلَمْ يَتَفَرّقُوا ملوكُ الأرض الذين ملؤوها صيتاً وكنوزاً، أكاسرة، وقياصرة، وهراقلة! ذهبوا وذهبت كنوزهم، ولم يتركوا خلفهم آثاراً تدل عليهم: أينَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى كَنَزُوا الكُنُوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا؟! كانت جيوشهم تملأ الآفاق، ويكاد يضيق الفضاء عن عددهم، فإذا بهم بين ليلة وضحاها يُغيّبون في حفرة ضيقة تكاد تضيق بهم: من كلّ مَن ضاقَ الفَضاءُ بجيْشِهِ حتى ثَوَى فَحَواهُ لَحدٌ ضَيّقُ تدخل مقابرهم فلا تستطيع معرفتها، وإذا عرفتها فناديتهم لم يجيبوك، وكأنهم يظنون أن الكلام حرامٌ، وهو كان حلالاً لهم!: خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لم يَعْلَمُوا أنّ الكَلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطلَقُ! أيها الناس! يقول أبو الطيب: المَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفائِسٌ وَالمُسْتَعِزُّ بِمَا لَدَيْهِ الأحْمَقُ! اللهم ارحمهم وارحمنا!

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...