


عدد المقالات 307
لم تعش طويلاً تلك الكذبة التي أطلقها بنيامين نتنياهو عن مفتي القدس الحاج أمين الحسيني بأنه أوحى للزعيم النازي أدولف هتلر بفكرة إبادة يهود أوروبا. جاء أهم الردود عليه من اليهود أنفسهم في إسرائيل وخارجها. زعيم «ليكود» معروف بأنه متخصص بأساليب البروباجندا، إلا أن إفلاسه السياسي جعله هذه المرة يعيد كتابة التاريخ خدمة للحظة الصراع الراهنة مع المجتمع الفلسطيني، لكن ليس أي تاريخ بل ذلك الذي يتعلق تحديداً بـ «الهولوكوست» أو «المحرقة». إذ قال إن هتلر «لم يكن يريد تصفية اليهود بل طردهم». وحين قابله الحاج أمين قال له «في حال قمت بطردهم فسيأتون جميعاً إلى فلسطين». وسأله هتلر «ماذا أفعل بهم؟» فأجابه الحسيني «أحرقهم». في ذلك الوقت، عام 1941، كان مفتي القدس لجأ إلى ألمانيا، لأن العصابات الصهيونية شرعت في ترهيب الفلسطينيين، كما لا تزال تفعل حتى اليوم، وكان يسعى إلى حماية خارجية لشعبه، ولم يكن يأمل بنيلها من سلطة الانتداب البريطاني التي كانت تساعد الإرهاب اليهود تطبيقاً لـ «وعد بلفور»، كما أن الحرب العالمية الثانية كانت ألغت عملياً «عصبة الأمم» التي حلت محلها لاحقاً منظمة الأمم المتحدة. وفي تلك الفترة من الحرب كان هتلر يبدو منتصراً، ولم تكن أنشطة «المحرقة» ظهرت بعد لكن عداء النازية لليهود كان واقعاً جلياً. وأن يطلب الحاج أمين من زعيم ألمانيا آنذاك دعم استقلال فلسطين ومنع قيام دولة إسرائيل في فلسطين فهذا شيء، أما أن يطلب من هتلر أو «يوحي» إليه بـ «إحراق اليهود» فشيء آخر تخيله نتنياهو وتخيل أنه يمكن أن يلقى ترحيباً من اليهود أقله بحكم كراهية للمفتي تشربوها بتشويهات التاريخ والتحريض الدائم عليه. لم تمر الكذبة. لا لأن اليهود أرادوا أن يدافعوا عن الحاج أمين، بل لأنهم استهولوا أن «يُبرَّأ هتلر» لمجرد أن الحجة أعوزت نتنياهو في سعيه إلى شيطنة «انتفاضة السكاكين». وحين أراد الرد على الانتقادات قال إنه لم يهدف إلى «تبرئة هتلر» بل إلى «إظهار أن الآباء المؤسسين للأمة الفلسطينية (...) كانوا يقومون بالتحريض المنهجي لإبادة اليهود». وعلى ذلك فإن أي خطاب للرئيس الفلسطيني محمود عباس سيُربَط بـ «المحرقة» مباشرةً إذا طالب بحماية الشعب الفلسطيني، وأي خطاب لأحد قادة حركتي «حماس» و «الجهاد» سيتهم بالعمل على «تدمير إسرائيل» ما دام يدعو إلى المقاومة أو يطالب بإنهاء الاحتلال. وما دفع نتنياهو إلى هذا الكذب، غير الجديد في مساره السياسي، إدراكه أن نمط الانتفاضة الحالية أرعب الإسرائيليين وهز صورة حكومته فاختار الاستنجاد بـ «الهولوكوست» لإعادة شد عصب الرأي العام الداخلي واستنهاض الرأي العام الغربي لدعم إسرائيل. لكن الكذب النافر ارتد عليه، وأفشل سعيه إلى ربط الانتفاضة بـ «سياق الإرهاب في المنطقة»، كما أنه لم يحصد حتى في الإعلام الغربي المنحاز أو المتعاطف عادة مع إسرائيل سوى الانتقادات التي تنهاه عن العبث الديني والتاريخي في منطقة بالغة الاضطراب. لم يعش طويلاً أيضاً ذلك الاقتراح الفرنسي بنشر مراقبين دوليين في باحة المسجد الأقصى، بغية «المساعدة في احتواء دوامة العنف»، إلا أنه حقق هدفه. صحيح أن إسرائيل هاجمته ولوحت بإشعال أزمة دبلوماسية مع باريس، وأن واشنطن سارعت إلى استبعاده ووعدت بتعطيله إذا طُرح، إلا أن الاقتراح وضع فكرة «التدويل» على طاولة مجلس الأمن. كان هذا المجلس أصدر بياناً أدى الضغط الأميركي إلى إفراغه من أي معنى أو فاعلية، إذ اقتصر على دعوة الطرفين إلى وقف العنف، لكن يبدو أن المجلس أراد أن يوفر فرصة لمسعى أميركي لمعالجة التوتر. ولعل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لفتت نتنياهو إلى أن المزاج الدولي ليس في مصلحته، وأن أعضاء في مجلس الأمن يرغبون في درس شكل من أشكال الوجود الدولي في الحرم القدسي. ويعني ذلك بداهةً أن المجتمع الدولي يجد في اقتحامات المستوطنين المتكررة لمسجد الأقصى وبحماية شرطة الاحتلال استفزازاً مفتعلاً وتحريضاً على العنف. عندما التقى وزير الخارجية الأميركي مع نتنياهو كرر أنه يجب احترام «الوضع القائم»، والأكيد أن جون كيري لم يأتِ بأي جديد يمكن أن يضغط على إسرائيل التي تتعمد استغلال أوضاع المنطقة لانتزاع امتيازات على حساب الفلسطينيين سواء في الحرم القدسي أو في سواه، حتى إنها باتت تنسق مع روسيا في دورها السوري متجاوزة «الحليف الأميركي». مع ذلك كان لا بد لكيري من توضيح الصورة لنتنياهو، ومن أبرز معالمها أن مجلس الأمن يشكك في تعهدات إسرائيل بحماية الأماكن المقدسة و «عدم تغيير الوضع القائم». والأهم أن التوتير الحالي هو ما أسهم في طرح «تدويل» الحرم، وإذا كانت واشنطن مصممة على تعطيله إلا أن إسرائيل يجب ألا تراهن على هذا الجدل حول «الوضع القائم» لتساوم على تغييره. ولم تكن مجرد صدفة أن يُصدر البيت الأبيض، بعد لقاء كيري - نتنياهو، بياناً يحذر فيه من الخطاب الاستفزازي، مع الإشارة تحديداً إلى التلفيق باسم «الهولوكوست». مع ذلك، لا أحد يتوقع من الإدارة الأميركية الحالية أن تطرح مبادرات أو أن تحاول الضغط على إسرائيل، بعدما أحبط نتنياهو كل مساعيها خلال ولايتي باراك أوباما. لكن حتى المعالجة الموضعية تبقى سطحية وضعيفة، فواشنطن التي تحذر من خطورة المواجهات حول المسجد الأقصى في بعدَيها الديني والسياسي لا تبدو قادرة على تسمية الأشياء بأسمائها. فالغضب الذي تشهده القدس، وفلسطين عموماً، لا يقتصر على انتهاك الأقصى الشريف بل يريد الانتهاء من سياسات الخنق التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بين قيادة فلسطينية ضعيفة وسلطة احتلال إسرائيلي ممعنة في وحشيتها. ولا شك أن قافلة شهداء الانتفاضة هي تحدٍّ لهذا الاحتلال ولتلك القيادة على السواء.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...