الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
06:47 م بتوقيت الدوحة

المتحولون..!!

أسامة عجاج
«مصر مثل فريق كرة القدم، يديره مدرب، يقوم بتحديد أفراد الفريق، واختيار مراكزهم، ويكلف هذا اللاعب بمهمة قلب الهجوم، والآخر بوظيفة قلب الدفاع، والثالث بحراسة المرمى، ويحدد لاعبي خط الوسط، والكل يلعب وفقا لخطة مرسومة، تستهدف الخدمة على الأهداف، التي حددها المدرب، ويلعب لصالحه». هذا التوصيف سمعته ذات مرة، من صديق يعمل قريبا من دوائر صنع القرار في مصر. تذكرت ذلك التشبيه البليغ، عندما شاهدت حالة التحول التي أصابت عددا من رموز النخبة المصرية بشكل جذري، ومنهم أحد الذين بنوا شهرتهم على معارضة الرئيس المخلوع حسني مبارك، ودخل معه في خلافات شديدة، ووصل به الحال بعد أحداث 30 يونيو، إلى أن يصبح أحد أكبر المدافعين عن نظام مبارك، وقد طلبه دفاع مبارك للشهادة في التهم الموجهة إليه بقتل المتظاهرين والفساد السياسي، هو ورموز نظامه، ابنيه جمال وعلاء ووزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي ومساعديه، فتحول إلى الدفاع عنه وتبرئته، والتأكيد أمام المحكمة أن مبارك لم يطلق النار على المتظاهرين، ولم يأمر بذلك، وهي واحدة من الشهادات التي قد تكون مع شهادات أخرى سببا لتبرئته من تلك التهم الموجهة إليه. البداية كانت في منتصف التسعينات، عندما ظهرت موهبة ذلك الصحافي المصري الشهير، واشتهر بمعارضته لنظام الرئيس مبارك، وانتقاداته لسياساته، وكان هجومه على رئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور كمال الجنزوري سببا في إخراجه من المجلة التي عمل بها، وإصدار صحيفته الخاصة وقد تعرضت للإغلاق هي الأخرى كما تعرض لإمكانية السجن، عندما نشرا خبرا عن صحة الرئيس مبارك، مما أثر على عمل البورصة كما تم توجيه اتهام النيابة إليه، وحكم عليه من أحد المحاكم، بالسجن لمدة عام لولا تدخل مبارك شخصيا، وكان وجوده هو وصحيفته أحد العوامل التي يستخدمها النظام في الإشارة إلى مدى حرية الإعلام والممارسات الديمقراطية للنظام، حتى ولو كانت كل تلك الحريات مزيفة وغير صحيحة وقيل: إن مبارك كان يقدم لأي مسؤول أميركي ملفا كاملا عن كل ما يكتبه هذا الصحافي، عندما يطالبه هذا المسؤول خاصة في عهد الرئيس بوش الابن، ووزيرة خارجيته الشهيرة كونداليزا رايس، بمزيد من الحرية أمام أجهزة الإعلام، ويقول «هل هناك حرية أكثر من ذلك؟» إن الرجل يهاجم بصفة مستمرة ودائمة، ليس فقط شخصي وأنا الرئيس، ولكن زوجتي سوزان مبارك، ووالدي جمال وعلاء، وكان هذا الصحافي، ومن خلال ذلك الدور، أكثر أهمية للنظام، من كل كبار الصحافيين في الصحف القومية، الذين استفادوا من فساد حقبة مبارك، والتي خصصت كل جهدها للدفاع عن مبارك ونظامه، والرد على كل الحملات الإعلامية المعارضة. وكان من الطبيعي أن يكون أحد أبرز الوجوه البارزة والنجوم اللامعة في ثورة 25 يناير 2011، وظهرت الحاجة إلى دوره المنتظر، وإحياء لإحدى الخلايا النائمة، وكان صاحبنا في المقدمة، عندما أصبح أحد قادة كتيبة الإعلام المصري، الموكلة إليها مهمة النيل من الإخوان المسلمين، وإنهاء أسطورتهم، ومحاولة استبعادهم من المشهد السياسي، لعبة استباحة الرئيس محمد مرسي، وتخوينه، والاستهانة به، خاصة أن صاحبنا يتمتع بالثقافة الموسوعية، والقدرة الفائقة على السخرية، من خلال صحيفته التي يرأس تحريرها، أو البرنامج الذي يقدمه الذي تنقل به من فضائية إلى أخرى، وكلها ضد جماعة الإخوان المسلمين، وكان من الطبيعي أن يستعين به دفاع مبارك في القضية التي يحاكم فيها بقتل المتظاهرين، فسارع في تبرئة الرجل والدفاع عنه، كما أننا لم نسمع له أي انتقاد لأي موقف بعد أحداث 30 يونيو، فكان مع كل القوانين المقيدة للحريات التي أصدرها الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، ومنها قانون التظاهر. والأهم من ذلك كله، أنه تم اختياره ليكون الثاني في الحوار الوحيد، مع المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي، في محاولة لتقديمه إلى الناخب المصري، يومها فقد كل قدراته على الحوار، وتخلى عن كل ما يملكه من إمكانيات إعلامية، فتحول إلى تلميذ يسمع من معلمه، ما يملي عليه، بل ساهم في تجميل صورة المعلم، وعندما تذكر تاريخه السابق، في المشاغبة الإعلامية، وتحدث في سؤال مستخدما لفظ «العسكر»، تلقى ردا قاسيا، وتقريعا غير مسبوق، وخرج السيسي عن الصورة التي يحاول الترويج لها، مكشرا عن أنيابه، متخليا عن هدوئه المصنوع، وهو يقول مستنكرا: إنه لن يسمح له باستخدام هذا اللفظ مرة أخرى، فعاد بعدها ليكون إعلاميا أليفا من دون أنياب. وهكذا، فقد اختار «الكوتش» لصاحبنا دور قلب الهجوم، وتحول حسب ظروف المباراة إلى قلب الدفاع، وهو نفس الدور الذي لعبه عدد لا بأس به من كتيبة الإعلام المصري، الذين تحولوا من أفراد في كتيبة مبارك إلى تبني مواقف ثوار يناير إلى رفض الإخوان، وأخيرا ظهروا على حقيقتهم بالدفاع بالحق والباطل عن كل ما جرى بعد 30 يونيو حتى إنه وصف الشعب بعدم التربية، فقط لأنه لم يشارك في اليوم الأول للانتخابات الرئاسية. ومن النماذج المثيرة للجدل، والتي تؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية لدى البعض حالة الانتقال من معسكر سياسي إلى آخر، وعدم التمييز بين الخلاف السياسي، والقابل للتعامل معه، وفق أصول اللعبة، وخيانة المبادئ، ومن هؤلاء أحد الإعلاميين، الذين كانوا ركنا أساسيا في حركة كفاية، والجبهة الوطنية للتغيير، ومارس النضال السياسي متحالفا مع الإخوان المسلمين طوال فترة التسعينات وما بعدها، وكان له الفضل في أنه أول من فتح الطريق واسعا أمام الهجوم على مبارك شخصيا، واتهامه بأنه سبب كل أزمات مصر، عندما كانت المعارضة تتعامل على استحياء مع تلك القضية على أساس أن مبارك نظيف وسط مجموعة من الفاسدين، وديمقراطي وسط نظام ديكتاتوري، وقال كلمته المشهورة: إن «السمكة تفسد من رأسها» وإن مبارك هو المسؤول الأول والأخير، عن كل ما يجري في مصر، فكان رد فعل النظام وآلته الأمنية شديدا، والعقاب بشعا، عندما تم اختطافه لعدة ساعات، وتركه عاريا في منطقة صحراوية، هكذا كيوم ولدته أمه، وكانت الرسالة واضحة، إهانة والحط من كرامة وإنسانية من يمس نظام مبارك، وفي أوائل هذا القرن كان أحد المنسقين مع القوى الإسلامية في المعارضة، ونسي في ظل وخضم الصراع مع نظام مبارك ذلك الخلاف التاريخي بين الناصريين وهو أحدهم وجماعة الإخوان المسلمين. ولكنه اختلف تماماً بعد تولي محمد مرسي الرئاسة، وسيطرة حزب الحرية والعدالة على البرلمان، فعاد سيرته الأولى، تتحكم فيه عقد الثأر مع الجماعة، وقد يكون هذا مفهوما ومقبولا، ولكن اللافت أن الأجهزة الأمنية تحولت عند صاحبنا إلى مجموعة من الملائكة الأبرار، الذين لا يأتيهم الباطل من خلفهم أو أمامهم، وأصبح أكبر وأكثر المبررين لجرائمهم، وتحول إلى أداة للدفاع عن أركان النظام القمعي بعد 30 يونيو، والذي جرم حق التظاهر، وقلص تماماً حق التعبير، ونسي تماماً انتقاداته السابقة، وحتى بعد ثورة 25 يناير للأجهزة الأمنية، واختلف موقفه من وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، من المعارضة أثناء فترة عمله كوزير في حكومة هشام قنديل عنه في وزارتي حازم الببلاوي وإبراهيم محلب. وسبحان مغير الأحوال، ومبدل المواقف، ومقلب القلوب.

اقرأ ايضا