السبت 10 جمادى الآخرة / 23 يناير 2021
 / 
10:50 ص بتوقيت الدوحة

سوداني إلى المريخ.. آراء وخواطر

عادل إبراهيم حمد
جاء في صحف الخرطوم أن الفلكي السوداني د.أنور أحمد عثمان قد يكون ضمن المغادرين لكوكب الأرض في رحلة بلا عودة إلى المريخ في عام 2023. وهي رحلة تنظمها شركة هولندية ضخمة تعمل في مجال أبحاث الفضاء أطلقت على مشروعها اسم (مارس). ونسبت صحيفة "آخر لحظة" إلى دكتور أنور القول: إن الأرض تمتلئ بالحروب والدمار والهلاك وإن البشرية أصابها التمزق والحقد والشرور.. قول يفتح الباب واسعاً لجدل حول العلاقة بين الأرض وبني آدم. وهل الشر حالة مرتبطة بتراب الأرض, فإذا انفصل الإنسان عنها زالت عنه نوازع الشر ومكامن الحقد, أم أن الشر أصيل في الإنسان؟ الأرض بريئة, فهي ليست موطناً للشر "هبط" إليه الإنسان, فإذا ما سما إلى المريخ ترك الشرور والأحقاد وراءه.. الأرض حالة وليست تراباً يجسد الإنسان ويصوغه.. حالة ومقام يعيشه الإنسان إن كان على الأرض أو المريخ أو على زحل.. وعلى الأرض يمكن أن يسمو فوق مقام الأرضية. فسمو الإنسان إلى عليين أو ارتداده إلى أسفل سافلين ليس مرتبطاً بكوكب دون آخر.. في الإنسان سر الارتقاء وأسباب الانحطاط وليس السر في الكوكب. إذا تمت الرحلة فسوف تحمل سفينة الفضاء فوجاً بشرياً إلى الكوكب الأحمر, ولن يترك أي منهم إهابه وقلبه وعقله وراءه.. يفد إلى المريخ الإنسان بثنائيته فيعمر المريخ ويدمر, ويبذر الخير ويزرع الشر, هذا هو الإنسان لا يفر من حقيقته وقدره ولو طار إلى المريخ. إذا طار دكتور أنور إلى المريخ وحده فلن يطيق طريقة روبنسون كروزو في العيش, ولن يحب إنفراداً لا يحبه أبوالعلاء المعري حتى في الخلد, وإذا طار معه آخر فسوف يبدأ الخلاف ثم الصراع, فما بالك والسفينة المقترحة تحمل فوجاً كاملاً ورث كل فرد فيه من أبيه آدم عدداً من الأسماء.. ولن يحل الوفد في المريخ بلا ذاكرة أرضية. فالكل يحمل ذكرى حربين عالميتين ومجازر الهوتو والتوتسي وجشع المرابين وأطماع تجار البشر وجرائم القتل. ولن يبتدع المهاجرون إلى المريخ لغة يخلو قاموسها من مفردات الظلم والجريمة والزور والمعصية والضحايا والألم والدموع.. وسوف يحن بنو آدم إلى تجربة الأرض, ويدرك المهاجرون أنهم حملة ثقافة ظنوا أنهم تركوها في وطنهم الأم. وما دروا أنهم "يلوثون" وطنهم الجديد بما ظنوا أنهم هربوا منه برحلتهم المثالية. سوف يذكر الدكتور السوداني المهاجر أن أهل كوكبه السابق الأرض قد أنشؤوا نادياً رياضياً في السودان أسموه "المريخ" حقق فريق كرة القدم فيه انتصارات مدوية على مستوى القارة الإفريقية.. ذكرى قد تجعل الدكتور يفكر في تكوين فريق باسم "الأرض", لكن لا يستبعد أن ينافسه مصري على إدارة النادي باعتبار أن الاسم مستوحى من اسم المريخ الأرضي, وهو اسم موجود في بورسعيد المصرية أيضاً, صراع زاخر بتجارب ثرة في شغب الملاعب في بلدي الإداريين المتنازعين, وما مجزرة بورسعيد ببعيدة عن الأذهان. يروى أيضاً أن الدكتور أنور قد تلقى رجاءات من بعض الأهل والمعارف بأن يرسل لهم "فيزا" لدخول المريخ إذا وجد الحال هناك بالجمال الذي تخيله عندما أقدم على هذه المغامرة. لا يقف الأمر عند الطريقة الطريفة التي يفكر بها الأهل والمعارف, لكنه يعني ضمناً أن الأهل قد افترضوا أن ابنهم سوف يكون مسؤولاً عن شؤون الهجرة والاستقدام في الكوكب البعيد, ثم يقودنا السياق إلى التفكير في من سيكون وزير الخارجية في "حكومة" المريخ.. نعم حكومة, أي أن السياسة لا فكاك منها ما دامت الجماعة المغادرة سوف تحتاج حتماً لتحديد كيفية إدارة شأنها.. إذاً صداع السياسة مرافق لا محالة للفارين من جحيم الأرض إلى جنة المريخ, وهو وحده كاف لإفساد الرحلة وهدم مراميها ووأد أحلام المهاجرين, وقد تكون السياسة وحدها كافية لنسف المشروع نسفاً. عوامل كثيرة قد تدفع دكتور أنور للتخلي عن الفكرة, لكن الدافع الأهم قد يكون عند سماعه للفنان الكبير محمد وردي في رائعة الشاعر الكبير صلاح أحمد إبراهيم "الطير المهاجر": فوت بلاد وسيب بلاد وإن جيت بلاد تلقى فيها النيل بيلمع في الظلام زي سيف مجوهر بالنجوم من غير نظام تنزل هناك وتحيى يا طير باحترام وتقول سلام وتعيد سلام على نيل بلادنا سلام وشباب بلادنا سلام ونخيل بلادنا سلام ابق معنا -دكتور أنور- في الأرض إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً, أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.