الانتصار الحقيقي..!
24 أكتوبر 2015 , 12:11ص
أكره «التهويل»، فهو يعني تضخيما لحدث لا يستحق، ولا أميل إلى «التهوين» فهو إنقاص لقيمة تطور ما، وأعشق مدرسة إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأمور في حجمها الحقيقي، ومن هذا المنظور كان حكمي على قرار اختيار مصر لعضوية مجلس الأمن، ضمن أربع دول أخرى من غير دائمي العضوية لمدة عامين، مع اليابان والسنغال وأوكرانيا والأوروجواي، لقد شهد الحدث تباينا بين فريقين، كلاهما تنقصه الموضوعية، فلا الاختيار إنجاز عظيم أو علامة فارقة، أو حتى شهادة نجاح للدبلوماسية المصرية، أو تعزيز لدولة ما بعد ٣٠ يونيه، كما يروج لذلك «المهولون». وهو حدث لا يمكن تجاهله، أو أنه من دون قيمة سياسية، كما يتحدث بذلك «المهونون». والأمر في كل الأحوال يحتاج إلى تقييم موضوعي. بعد استعراض عدد من المعلومات الأولية حول تلك القضية، ومن ذلك أنها ليست المرة الأولى التي يتم اختيار مصر لهذا الموقع، بل هي الخامسة، واستعراض المرات الأربع السابقين، نكتشف بسهوله أن هناك دورة لمثل ذلك الاختيار، فالمرة الأولى بعد سنوات قليلة من إنشاء الأمم المتحدة، وكان في زمن الملكية في عهد الملك فاروق قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، وكان ذلك في عام ١٩٤٩، والثانية بعد مرور عشر سنوات في عهد الزعيم جمال عبدالناصر في العام ٦١/٦٢، ولم يشهد عصر السادات محاولة للحصول على عضوية غير دائمة لمجلس الأمن، ولعل طول فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتي وصلت إلى ٣٠ عاما، تفسر لنا اختيار مصر مرتين في ٨٤/٨٥، وبعدها بعشر سنوات في ٩٦/ ٩٧، إذا الاختيار هذه المرة، لا علاقة له بإقرار العالم بشرعية النظام المصري، وكثيراً ما قلنا إن شرعية الأنظمة، تكتسبها من طريقة وصولها للسلطة، ومن حجم الرضا العام عن أداء الحكومة والنظام، ولا بدورها المحوري واستعادة الريادة في المنطقة، كما يحاول المهولون أن نصدقهم.
ومن المعلومات ذات المغزى حجم الأصوات المصرية، والتي وصلت إلى ١٧٩ من بين ١٩٣ دولة، شاركت في الاقتراع، وقد حاول فريق المهولين التوقف عند العدد، بالحديث عن ذلك باعتباره إنجازا مهما، فالمتحفوين والرافضون لا يتجاوز عددهم وفقا لذلك ١٣ دولة، ولكن استعراض عدد أصوات الدول الأربع الأخرى، نكتشف أن الأمر لم يخضع لمنافسة أو صراع، بل تم الأمر بالتوافق، السنغال كانت في المقدمة بـ١٨٧ صوتا، وجاءت وبعدها الأوروجواي بأقل من صوتين، والثالثة اليابان بأقل صوت واحد ١٨٤ صوتا، ثم مصر في المرتبة الرابعة بـ١٧٩ ثم أوكرانيا بـ١٧٧ صوتا، والفرق بين الدول الخمس تتجاوز أصواتا هنا أو هناك، ما يعني أنه لم يكن هناك منافسة تذكر، أمام الدول الخمس، ومنها بالطبع مصر. وحقيقة الأمر أن المعركة الحقيقية كانت أمام أوكرانيا، باعتبارها أحد ملفات المواجهة بين روسيا والغرب، ومن البديهي أن موسكو لم تكن راضية عن الترشيح، ولكنها لم تستخدم الفيتو، ونجحت الاتفاقيات وتبادل المنافع بين المجموعات، في تمرير الترشيح وفوز أوكرانيا، والأمر يعود إلى آلية اختيار الدول ذات العضوية غير الدائمة، والتي تتضمن عبر التوزيع الجغرافي ثلاث مقاعد لإفريقيا، مقعدين لآسيا، ومثلهما لأميركا اللاتينية والكاريبي، وأوروبا الغربية مقعدين، والشرقية مقعدا واحدا. والترشيح يتم عبر قبوله من الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع ضرورة حصوله على تسعة أصوات من مجلس الأمن، دون استخدام أي من الدول دائمة العضويه للفيتو، ووفقا للتقليد المتبع، فإن أحد المقاعد المخصصة لإفريقيا وآسيا، يذهب إلى أحد الدول العربية، وبهذا فقد سبق أن فاز بالمنصب قطر في عام ٢٠٠٦، والمغرب والجزائر والسعودية، التي اعتذرت عن الانضمام احتجاجا على مواقف مجلس الأمن، وكان مطروحا كبديل أما الكويت التي لم تتقدم، أو الأردن الذي فاز بالمنصب، وبالنسبة لإفريقيا هذه المرة، ستخرج نيجيريا وتشاد، لتدخل مصر عن شمال إفريقيا، والسنغال عن غرب القارة الإفريقية، دون أن يعني عدم وجود خروج عن تلك القواعد المستقرة، واستثناءات محدودة في هذا المجال، ووجود تنافس شرس في ظل تعدد المرشحين، وعدم التوافق على أي منهما، وقد حدثت في الانتخابات الماضية عندما ترشحت إسبانيا وتركيا عن أوروبا الغربية، وفازت الأولى. ومن المرات النادرة وكان ذلك في عام ١٩٧٩ والتنافس شديد بين كوبا وكولومبيا، ولم تتمكن أي من الدولتين من حسم الأمر لصالح أي منهما، والحصول على أصوات ثلثي الأعضاء، رغم تعدد مرات الاقتراع، وفي النهاية انسحبا معا، وتنازلا عن العضوية للمكسيك التي فازت بالمقعد.
وبهذا كان فوز مصر بالعضوية أمرا مسلما به، منذ أن أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في سبتمبر من العام الماضي، أثناء مشاركته في أعمال الجمعية العامة، نية مصر للترشح، فقد كان محسوما عربيا، فلم تترشح أي دولة من الدول العربية، والأردن ستنتهي عضويتها في المجلس هذه الدورة، كما حسمت إفريقيا موقفها من دعم مصر بقرار من وزراء الخارجية، أثناء اجتماعهم في يناير الماضي، كما أيدت مصر دول أميركا اللاتينية، وهناك دوائر معروفة داعمة لمصر، ومتداخلة، مثل المجموعة الإسلامية، ودول عدم الانحياز، ناهيك عن تبادل التأييد بين المجموعات الإقليمية، ومع ذلك فقد تعاملت مصر مع الموضوع بجدية واضحة، من خلال جولات قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري للعديد من العواصم، وهو ما فعله الرئيس المصري في كل زياراته الخارجية، كما استضافت مصر منتدى سيدي عبدالرحمن في نهاية أغسطس الماضي، دعت إليه مندوبي ٥٥ دولة في المنظمة الدولية.
ونعود من جديد إلى فريقي المهولين والمهونين، لنجد أن الطرف الأول يتحدث عن مصر أصبحت من بين الجهاز الذي يحكم العالم، وهو مجلس الأمن، وسيكون لها تأثيرات إيجابية على العديد من الملفات المطروحة، على الأقل العربية والإفريقية، والأمر من حيث الشكل صحيح، ولكنه يحمل مبالغة شديدة، ولكنها لا تصل إلى درجة اعتبار أن تلك العضوية لا قيمه لها، وبدون أي تأثير، فالعضو يملك صوتا في التصويت على أي قضية، كما أنه سيكون محل اهتمام من دول لها قضايا مطروحة على المجلس، ورقما في معادلة التوازنات داخله، والأمر يعود إلى آلية اتخاذ القرار، والتي تعزز من قيمة ودور الدول الخمس دائمة العضوية، القادرة على تمرير أي قرار أو عرقلته، عبر استخدام الفيتو، بدليل استمرار كل القضايا العربية، والأزمات في إفريقيا، رغم وجود ممثل للجهتين دائماً في المجلس، والتباين في وجهات النظر بين الدول دائمة العضوية، وراء استمرار الأزمات العربية منذ سنوات طويلة، مثل ملف الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ناهيك عن الأزمة السورية التي تشهد معسكرين داخل المجلس، مع إزاحة بشار أميركا ودول الغرب، والحفاظ على نظامه وهو ما تتبناه موسكو والصين معا، ونفس الموقف تجاه الأوضاع في ليبيا وهو ملف يؤثر على الأمن القومي المصري، في ظل تراجع مجلس الأمن على الاهتمام به، وعلى نفس المسار الأزمة اليمنية الذي يبدو عدم رغبة المجلس في التأثير الفعال، ووقف القتال وعودة الشرعية للعاصمة صنعاء.
الانتصار الحقيقي أن تتمكن مصر، ومعها دول عديدة، من تحريك ملف إصلاح مجلس الأمن، وتوسيع العضوية الدائمة، وعدم قصرها على الدول الخمس، وهو مطروح منذ سنوات طويلة في ظل مطالبة اليابان وألمانيا، باعتبارهما ثاني وثالث دول الأمم المتحدة، من حيث المساهمة في ميزانية الأمم المتحدة، والهند على أساس أنها الثانية من حيث السكان عالميا، يضاف إليها البرازيل باعتبارها خامس دولة على مستوى العالم من حيث المساحة، أما في إفريقيا فهناك جنوب إفريقيا ونيجيريا، فهل يمكن أن تنضم مصر إلى صفوف الدول المرشحة لتوسيع عضوية المجلس في إفريقيا، المشكلة أن لديها منافسين سبق أن ذكرناهم، وحتى على المستوى العربي، ستجد في القائمة المنافسة السعودية والجزائر.
علينا أن ننتظر مرور فترة العضوية وهي عامان، وهي فرصة مناسبة لتقييم الأداء الحقيقي للدبلوماسية المصرية، وتأثيرها على مجريات الأمور دوليا، حتى ولو كانت دولة غير دائمة.
usama.agag@yahoo.com •