لماذا تغير موقف السيسي من الدستور؟
24 سبتمبر 2015 , 12:59ص
«الدستور المصري كتب بنوايا طيبة، والدول لا تبني بالنوايا الطيبة». كلمات محدودة وبسيطة قالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في لقاء جمعة منذ أيام مع ممثلي طلاب الجامعات، فتحت الطريق واسعا أمام حملة شاركت فيها كل أذرعه الإعلامية، وامتداداتها في الأحزاب الموالية له وما أكثرها على الساحة السياسية، خاصة قائمة في حب مصر، تمهيدا لخطوة إجراء تعديلات جوهرية على الدستور، وفي المقدمة تعديل نظام الحكم في مصر إلى الرئاسي، بدلا من النظام المشترك الذي يجمع بينه وبين البرلماني، كما هو الحال في معظم الديمقراطيات في العالم، والرئاسي يعيد مصر من جديد إلى عهود حكم الفرد، الذي يتحكم فيه الرئيس في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في عبث واضح بالدستور، الذي لم يمر على إقراره سوى أقل من عامين، ولم يختبر بعد، في ظل غياب المجلس النيابي بعد حله منذ أكثر من ثلاث سنوات. كلام السيسي يتناقض مع مشاهد سابقة، عاشها المصريون خلال الأشهر الماضية.
يوم السبت 12 يناير 2014 دعا الفريق أول عبدالفتاح السيسي، وكان يومها وزيرا للدفاع، المصريين «إلى التصويت على الدستور، من أجل تحمل المسؤولية الوطنية، حتى يكتمل المسار الديمقراطي، ومن أجل بناء دولة ديمقراطية حديثة». وقال «إن العالم بانتظار نتائج الاستفتاء على الدستور، الذي يعتبر أول خطوات تنفيذ خارطة الطريق». السيسي نفسه أيضاً أشاد بالدستور، وقال إن الدستور السابق -يقصد الدستور الذي تم إقراره في عهد الإخوان المسلمين- لم ينص على إمكانية عزل رئيس الجمهورية، وهو ما تم تداركه في الدستور الحالي، الذي وصفه بأنه يرسخ الممارسات الديمقراطية في مصر، وكان يشير في ذلك إلى المادة 61 من دستور 2014.
في 8 يونيه 2014 وقف عبدالفتاح السيسي في مشهد مهيب، أمام أعضاء الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا، ليقسم بالله العظيم أن يحافظ على النظام الجمهوري، وأن يحترم الدستور والقانون، وأن يراعي مصالح الشعب المصري رعاية كاملة، وفي مساء نفس اليوم، وفي احتفال في قصر القبة بنفس المناسبة، تعهد مرة ثانية باحترام الدستور، الذي وصفه بأنه «دستور دولتنا المدنية»، في رد مباشر على اتهامات بأنه يؤسس لنظام عسكري في مصر.
إذن لماذا تغير موقف عبدالفتاح السيسي من الدستور؟ وانتقل موقفه من الإشادة إلى الانتقاد، وفجأة اكتشف أنصاره، أن به مواد مطاطة، وأخرى غير دقيقة، وفجاة عرفنا منهم أن الفترة التي أعد فيها الدستور كانت صعبة، وأن اللجنة التي شكلوها بأنفسهم، كانت تحمل اتجاهات مختلفة ومتناقضة، وأنه الأطول من حيث المواد في تاريخ مصر، رغم أنه تم اعتباره في حين صدوره، أحد أهم إنجازات عصر ما بعد 3 يوليو 2013، فرغم أن خارطة المستقبل التي تم الإعلان عنها في نفس اليوم، تحدثت عن تشكيل لجنة مستقلة للبحث في المواد المطلوب تعديلها في الدستور السابق والذي أقر في عام 2012، ولكن الرئيس الانتقالي عدلي منصور بالتنسيق مع المجلس العسكري، كان لهما رأي آخر، بأن التعديلات ستتم عبر لجنتين، الأولى صدر قرار بتعيينها في يوليو من نفس العام، ضمت عشرة من رموز القانون في مصر، من رؤساء المحاكم ومجلس الدولة وأربعة من أساتذة القانون في الجامعات المصرية، قدمت رؤيتها إلى اللجنة الثانية لجنة الخمسين، التي تم تشكيلها كما قيل في ذلك الوقت، لتضم كل طوائف الشعب، لاحظ أن اللجنتين تم تعيينهما بقرار من رئيس معين على عكس دستور 2012، وضمت ممثلين عن الأزهر والكنيسة، والشباب واتحاد الكتاب والنقابات الفنية، وقطاع الفنون التشكيلية والمجلس الأعلى للثقافة، والعمال والفلاحين والمحامين والأطباء والصحافيين، والغرف السياحية والاتحاد العام للجمعيات، والمجلس القومي للمرأة ومجلس حقوق الإنسان والجامعات، ومتحدي الإعاقة والقوات المسلحة والشرطة، والتيار الإسلامي والليبرالي واليساري والقومي، وعدد من الشخصيات العامة. وأنهت أعمالها في بداية ديسمبر من نفس العام، وخرج في 274 مادة، وأقر في استفتاء شعبي بنسبة أكثر من ٩٨ بالمئة.
المآخذ على الدستور عديدة، ولكنها تختلف من زاوية الرؤيا والتناول عن تلك التي تحدث بها السيسي، ويروج لها أنصاره، في الإعلام وبين الأحزاب السياسية، مثلا الدستور الذي تم كتابته بنوايا طيبة، هو الذي سمح لرئيس الجمهورية بتعيين 5 بالمئة من أعضاء المجلس النيابي، والمفترض أنهم منتخبون للرقابة على الرئيس والحكومة، بما يعني 22 نائبا، وهو عدد مؤثر في أي تصويت مهم وعدد كاف تماماً لتمرير ترشيح السيسي لدورة قادمة، حيث يشترط 20 عضوا فقط. هذا الدستور المطلوب إدخال تعديلات عليه، أعطى بموجب المادة 137، والخاصة بالعلاقة بين الرئيس والبرلمان، للرئيس اليد العليا، بعد أن تم حذف النص الذي جاء في دستور 2012، والذي يشير إلى ضرورة أن يستقيل الرئيس إذا لم توافق أغلبية أعضاء البرلمان على حل نفسه، هذا الدستور الذي أصبح بين يوم وليلة، محل انتقاد وعدم احترام من رأس السلطة التنفيذية، هو الذي أنهى النص في الدستور السابق على الرقابة المسبقة للمحكمة الدستورية العليا، على قوانين مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات، وأصبح متاحا لأي محام رفع دعوى أمامها قد ينتج عنها حل البرلمان بعد إجراء الانتخابات، أو تأجيلها كما حدث مؤخراً. هذا الدستور الأخير هو الذي خصص من المادة 122 إلى 145 لتحديد صلاحيات الرئيس.
أزمة الرئيس السيسي وحوارييه مع الدستور، أنه لا يريد شريكا له في الحكم، خاصة من المجلس النيابي، وقالوها عبر إعلامهم، وبدون مواربة «إن الدستور يحول الرئيس إلى سكرتير عند مجلس النواب»، وإنه عبر أغلبية الثلثين، يمكنه سحب الثقة من الرئيس، بمعنى أن البرلمان يستطيع أن يقول للرئيس «روح بيتكم بدون استفتاء»، كما قال مصطفى بكري مثلا أو أحمد موسى، على الرغم من أن النظام الحالي لا يترك شيئا للصدفة، فقد يسعى إلى تأجيل الانتخابات، لمنع انعقاد مجلس النواب، عبر المحكمة الدستورية لأطول فتره ممكنة، لينفرد الرئيس بالتشريع مع سلطاته التنفيذية، كما أنه يعمل على حصول أنصاره والعناصر الموالية على الأكثرية، لتفادي أي خلافات مع المجلس النيابي، في ظل الصلاحيات الكبيرة له، ومنها سلطة التشريع وإقرار السياسة العامة للدولة، والموافقة على الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع ممارسة دورة الرقابي، كما أنه أصبح شريكا للرئيس في اختيار رئيس الوزراء.
الاعتراض أساسا على المسؤوليات المشتركة للرئيس والبرلمان، والذي لا يستطيع أن يمارسها منفردا، مثل تشكيل الحكومة، الرئيس له سلطة اختيار رئيس الوزارة، ولكن الأخير لا بد أن ينال ثقة المجلس، وعليه أن يمتثل لاختيار صاحب الأغلبية في المجلس النيابي. للرئيس حق في إجراء أي تعديل وزاري، بل إعفاء الحكومة من عملها، وإعلان الحرب وحالة الطوارئ والعفو الشامل عن العقوبات، ولكن أصبحت موافقة البرلمان على كل تلك الاختصاصات ملزمة، الرئيس السيسي يخشى من مراجعة مجلس النواب للقوانين التي أصدرها في غيابه، خلال 15 يوما من انعقاده -وهي بالمئات- كي تصبح لها قوة القانون، وإلا ألغيت بأثر رجعي، إذا أراد البرلمان ذلك.
تعديل الدستور في تلك المرحلة عبث سياسي بكل المقاييس، فهو لم يخضع بعد للتجربة، والحديث عن أزمات بين الرئيس والبرلمان قضية افتراضية، كما أن الدستور نفسه حدد آليات تعديل أي مادة من مواده، عن طريق الرئيس أو ثلث أعضاء المجلس، ولكنه يتم مناقشته بعد ستة أشهر من تقديم الطلب، ويتم التصويت على التعديل المطلوب، فإذا حصل على موافقة ثلثي أعضاء المجلس، يتم طرحه للاستفتاء الشعبي، فالأمر ليس خاضعا لرغبة فرد، حتى لو كان رئيس الدولة.
الهدف الحقيقي من حديث التعديل، ليس لضمان دستور أفضل لمصر، بل عودة من جديد إلى عصور حكم الفرد إلى ما قبل ثورة 25 يناير. رغم أن مبارك هو أيضا، كان يجيد لعبة وضع الدستور على «الرف».