الأذان في مالطة..!!
23 أبريل 2015 , 02:20ص
العنوان السابق هو أحد التعبيرات المصرية العبقرية المستخدمة للتعبير عن عدم جدوى أي فعل. فإذا كان «الأذان في مالطة» على بعد آلاف الكيلومترات، فهل سيستجيب له أحد؟ أو يؤدي الصلاة، هذا هو التوصيف الذي يمكن أن يلخص الحالة التي وصلت إليها الحياة السياسية في مصر، وتجسد العلاقة بين طرفيها الحكومة من ناحية والأحزاب السياسية من الناحية الأخرى، في سبيل البحث عن تنفيذ الاستحقاق الثالث كما يقولون من خريطة الطريق، التي تم الإعلان عنها في 3 يوليو 2013، ولم يتم الالتزام بأي بنودها، لا من حيث المضمون، ولا من حيث الترتيب والتوقيتات، يومها وعدوا بإجراء تعديلات دستورية، وتحول الأمر إلى وضع دستور جديد، فكانت مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتعامل مع دستوريين خلال عامين، قالوا الانتخابات البرلمانية خلال ستة أشهر، وها هي السنة الثانية ستمر دون أن يتم تحديد موعد إجرائها، حتى الانتخابات الرئاسية كانت الثانية بعد البرلمانية في الترتيب، وتقدمت وتم إنجازها في سرعة ملحوظة، فقد كانت هي الهدف المنشود من كل ما جرى، وكل ما عداها استكمال شكل لا أكثر ولا أقل. أما الانتخابات البرلمانية فهي في ذيل اهتمام الجميع، سواء الحكومة ومن قبلها الرئاسة، أما الأولى فهي تدرك أن تلك الانتخابات تعني انتهاء مهمتها، وتقديم استقالتها، أما الثانية فهذا الوضع الأكثر راحة لها، فهي تملك مقاليد السلطة التنفيذية والتشريعية معا، دون رقابة من أي جهة، تصدر القوانين التي تريدها بالشكل التي ترغب فيه دون مراجعة من أحد، لدرجة أن رغبتها في إجراء الانتخابات البرلمانية كان استجابة لضغوط الخارج، أكثر منه حاجة داخلية، وتلك الضغوط خفت كثيرا، وتم تمرير المؤتمر الاقتصادي، والذي كان مصدر تخوف من القائمين على الأمور في مصر، أن يقل عدد المشاركين، أو مستوى التمثيل على ضوء غياب البرلمان، وهو ما لم يحدث، وأصبح أمر تحديد موعد الانتخابات البرلمانية مرتبطا برغبة الحكومة والرئاسة، وكل الشواهد أنهم لا يريدونها، وهم أكثر الجهات سعادة بحكم المحكمة الدستورية العليا، بعدم دستورية المادة الثالثة من قانون تقسيم الدوائر، والمادة الثامنة من قانون مجلس النواب، والذي كان وراء تأجيل الانتخابات على الأقل عدة أشهر. ولأن مصر تدار باستراتيجية «المهم اللقطة»، والتي جاءت على لسان اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس عبدالفتاح السيسي في التسريبات الشهيرة، فقد سعى رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب إلى إجراء حوار مع الأحزاب السياسية في مصر لاستكمال الشكل وإتمام الديكور، فالأحزاب المصرية في حقيقة الأمر «كم مهمل» لدى دوائر صنع القرار في مصر، وقد سبق أن قلنا إن الرئيس المصري حريص كل الحرص، على استمرار لقاءاته مع الإعلام المكتوب والمرئي «ونجوم برامج التوك شو»، أكثر من حرصه على لقاء قادة الأحزاب، والذين التفاهم مرة واحدة يتيمة لم تتكرر، وكانت جولات الحوار بين رئيس الوزراء كارثية بكل المقاييس، جسدها التصريح الشهير للمهندس إبراهيم محلب «لو حد ماشي في الشارع وحب يحضر جلسات الحوار يتفضل»، ودون أن يعني ذلك أن الحكومة، خرجت من تلك الحوارات «خاوية الوفاض»، فقد حققت بعض أهدافها ونتوقف عند بعضها:
أولا: التأكيد على ديمقراطية الحكومة، فقد سعت من حيث الشكل إلى استمزاج رأي الأحزاب في التعديلات المطلوبة في القوانين الثلاثة المتعلقة بالانتخابات، قانون تقسيم الدوائر، وقانون مجلس النواب، ومباشرة الحقوق السياسية. رغم أنها تهربت من قبل من أي حوار مجتمعي أو مع الأحزاب السياسية، وانفردت بوضع القوانين الثلاثة، رغم اعتراض نفس الأحزاب على ذلك، ورفضت الاستماع إلى وجهة نظرها فيها، واكتفت بلجنة حكومية قامت هي باختيار أعضائها لتلك المهمة، والتي واجهت بعض موادها بعدم الدستورية، فتم تكليف نفس اللجنة، دون أي تعديل للبحث في صياغة جديدة تتفادى أحكام عدم الدستورية.
ثانيا: خلق حالة من الضبابية حول طبيعة الحوار وأهدافه والغرض منه، فلم يكن هناك جدول أعمال للحوار، بل كان هناك تباين واضح في توجهات كل طرف، الحكومة وفقا لما أعلنته بشكل واضح وصريح على لسان المسؤولين في اللجنة الحكومية للتعديل، قالت إن الهدف هو التركيز على المادتين اللتين كشفت المحكمة الدستورية عن عوار دستوري فيهما، بينما الأحزاب رأت أنه طالما هناك بحث في التعديل، فلماذا لا يعمل الجميع على التوصل إلى توافق حول صياغات صحيحة لتلك القوانين الثلاثة؟ برضا الطرفين الحكومة والأحزاب، ردت الحكومة بالتلويح بعامل الوقت، بأن ذلك سيؤجل الانتخابات لفترة طويلة، وكأنها في عجلة للانتهاء من هذا الأمر، وطرحت فكرة إجراء الانتخابات قبل أو أثناء شهر رمضان، وهي تدرك استحالة ذلك، ولكنها في إطار «لعبة القط والفار» انتظرت اعتراض الأحزاب، وهو ما حدث بالفعل لضيق الوقت وظروف الصوم في شهور الصيف، والحكومة أول من يدرك أن المدارس الحكومية وهي التي تعتبر مقارا انتخابيا، ستكون مشغولة في ذلك الوقت بامتحانات الثانوية العامة.
ثالثا: «إبراء الذمة» فقد نجحت حكومة محلب في «نصب فخ» للأحزاب السياسية، عندما اتبعت نفس الأسلوب السابق في عهد مبارك، والذي كان يشرف على تنفيذه رجل النظام صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى، بإنشاء أحزاب تم الإعداد لها في الأجهزة الأمنية، وتحت رعاية الحزب الحاكم في ذلك الوقت الحزب الوطني، لاستخدامهم في تمرير أي قرار، وإضافة الشكل الديمقراطي على أي تحرك، وهو نفس ما قام به إبراهيم محلب، عندما دعا العشرات من تلك الأحزاب الورقية، والتي لا وجود لها في الشارع، وكان الهدف الرئيسي من ذلك افتعال أزمات وخلافات بينها وبين بعض الأحزاب الجادة، لتحميل فشل الحوار إلى الأحزاب، وتبرئة الحكومة وهو ما حدث بالفعل.
رابعا: تتعامل الحكومة بالمنطق الشهير «الورق ورقنا والدفاتر دفترنا»، فالكلمة تمت وقال كل حزب ما يريد، والحكومة فعلت ما تريد، دون أي اهتمام بوجهة نظر مفيدة، أو رؤية تستحق التوقف عندها أو دراستها، فقد تقدم أكثر من عشرة أحزاب، كما قال الدكتور محمد أبوالغار رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي، بمطالب واضحة ومحددة، تحقق التوازن المطلوب، مع رؤية الحكومة وتعالج التشوهات في القوانين السابقة، ومنها زيادة عدد القوائم إلى ثمانية بدلا من أربعة، ومع ذلك لم يتم الأخذ بها، واكتفت التعديلات بزيادة عدد المقاعد إلى 564، مع تقليل عدد الدوائر إلى 202، مع تخصيص أربع دوائر للقائمة على عكس ما طالبت به الأحزاب دون اهتمام بأي طرح في الحوارات الثلاثة السابقة.
وعلى المتضرر اللجوء إلى المحكمة الدستورية من جديد، لعل وعسى تحكم بعدم دستورية بعض المواد، فتأجيل الانتخابات «خير وبركة للجميع» وسلمي على الديمقراطية على الطريقة المصرية!!
usama.agag@yahoo.com •