


عدد المقالات 369
عندما نسمع كلمة «التاريخ» يتبادر إلى ذهننا التسلسل الزمني للأحداث السياسية وما يرتبط بها من معارك حربية أدت إلى تغيير الحدود السياسية أو إلى فترات استعمارية وحركات تحررية، وما إلى ذلك من أحداث (يحفظها) التاريخ مثل تشكيل الحكومات ومسار المفاوضات، ولكن هل ينحصر النشاط البشري في السياسة وحدها حتى يكون التاريخ البشري تاريخاً للسياسة وحدها؟ أصبحت مادة التاريخ في المدارس والجامعات هي تاريخ السياسة فيعرف الطلاب الإسكندر ونابليون وسعد زغلول والمهدي والتتار وعين جالوت والحربين العالميتين ووعد بلفور ومؤتمر باندونق، لكننا نسمع خارج المناهج الأكاديمية سرداً تاريخياً ممتعاً لنشاطات غير سياسية تطورت فيها التجربة البشرية بتراكم معرفي في ميادين بعيدة عن السياسة توجت في نهاية المطاف بما نعايشه اليوم من نشاط وحراك في الثقافة والفنون والاجتماع، لكن مناهج التاريخ المدرسي لا تحتفظ بسجل لهذه الحراكات كما تفعل مع السياسة. نعيش اليوم في السودان عهداً سياسياً يمكن لأي تلميذ دارس للتاريخ أن يعيده إلى أساسه الأول عبر تسلسل زمني مترابط لمئات السنين للوراء، فهذا العهد هو عهد وطني جاء بعد الاستقلال الذي تحقق في 1956. ويعرف دارس التاريخ أن السودان قد حكمته ممالك مسيحية أعقبتها الدولة السنارية التي بدأ عهدها عام 1504 م، واستمر حكم السلطنة الزرقاء حتى غزا محمد علي باشا السودان في عام 1821 ليستمر الحكم التركي حتى انتصار الثورة المهدية في 1885، ثم سقطت الدولة المهدية بالغزو الاستعماري في 1898 ليبدأ عهد الحكم الثنائي الذي امتد حتى تحقيق الاستقلال، وهكذا يمكن بسهولة الربط الزمني المتسلسل ومن ثم ملاحظة التتابع والتراكم وتفاصيل التجربة السياسية وما تتيحه اللوحة المتكاملة من فرص للدراسة والمراجعة والتجويد والاعتبار، لكن أين كل ذلك فيما نعيشه في تجربتنا الثقافية والاجتماعية؟ نعايش في السودان تجارب معتبرة في المسرح والغناء والرياضة والاجتماع.. في السودان اليوم حركة مسرحية جيدة، ولكن لا يعرف الدارس للتاريخ من هم رواد هذه الحركة المؤثرة ومن الذين وضعوا لبنات المسرح والذين تعهدوا التجربة بالرعاية في تسلسل تاريخي حتى أصبح في السودان (مسرح قومي) ومسارح يقف فيها مسرحيون يؤدون ببراعة أدواراً خالدة في مسرحيات كتبها سودانيون ويشاهدها رواد كثيرون ما ارتبطوا بهذا الفن إلا بعد أن بذل الرواد ومن تبعهم جهوداً لم يسجلها التاريخ.. ويحرز السودان بطولة الأمم الإفريقية وتبلغ شهرة بعض الرياضيين أنحاء إفريقيا كما فعل اللاعب المبدع (جكسا) الذي حاز لنفسه وللسودان صيتاً لم يبلغه سياسيون؛ لكن قليلين هم من يعرفون الذين أسسوا نادي الهلال، وكيف تطورت الحركة الرياضية من أندية صغيرة في الحواري حتى صار في السودان اتحاد للكرة يؤسس مع ثلاث اتحادات فقط الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.. ويغني محمد وردي ويطرب شعوباً في إفريقيا لا تتكلم العربية فيجعل من السودان مركز إشعاع ثقافي. ولكن التأريخ لمسيرة فن الغناء مهمل إلا من إشارات ترد على استحياء فاندثرت أسماء من برعوا في عزف آلة الطنبور وملحنين أفذاذ ذاعت أعمالهم التي تنسب بتعميم مخل إلى (أغاني التراث)، وهكذا توارى عظماء ولم يظهروا عند بوابة التاريخ التي يتزاحم عندها السياسيون، حتى إن رجلاً مثل البغدادي الذي وهب أملاكه وقفاً لكلية الطب يكاد يكون مجهولاً في السودان، ولا يعرف كثيرون من هو محمد عباس أبو الريش مؤسس مكتبة النهضة السودانية، ومن هو عرفات محمد عبدالله مؤسس مجلة الفجر الرائدة، ولا عبيد عبدالنور وعبدالله عشري أو بابكر بدري. نفخر جداً وحق لنا أن نفخر بمحطات متسلسلة في مقاومة المستعمر. ونحفظها بترتيب من بطولة ود حبوبة ثم ثورة 24 ومؤتمر الخريجين ومذكرة تقرير المصير والوفد السوداني لمصر والانتخابات الأولى وفوز الحزب الوطني الاتحادي، لكن تتخلل هذه الأحداث السياسية نشاطات وأحداث أسهمت في صياغة السياسة وفي خلق الأجواء التي أعانت السياسيين على تحقيق مبتغاهم، فقد صاحبت الأحداث المذكورة نشأة نادي الخريجين وتأسيس نادي المريخ وافتتاح وتأسيس مدرسة البنات في رفاعة وتأسيس مكتبة النهضة وصدور مجلة «الفجر» وإنشاء ورشة السكة الحديد والمحالج وبناء جامع فاروق وبناء معهد القرش وجلب أول مطبعة وافتتاح الإذاعة السودانية وغيرها من معالم مهمة لكنها تبدو كالمبتورة لا يرصد ما سبقها من مقدمات وما لحقها من آثار. كم من أحداث مهمة وإنجازات عظيمة ظلمها احتكار السياسة للتاريخ؟ وكم من أبطال ظلمهم التاريخ لأنهم لم يكونوا سياسيين؟!
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...