الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
11:23 ص بتوقيت الدوحة

بين تقريرين ..!!

أسامة عجاج
فرق كبير بين رد فعل الحكومة المصرية على مجمل المواقف وردود الأفعال السياسية والحقوقية السابقة على مذبحة فض رابعة العدوية، وبين تلك الضجة غير المسبوقة على التقرير الذي صدر منذ أيام عن نفس الحادث من منظمة هيومن رايتس ووتش، الجامع الوحيد بينهم هي لغة التعالي من جهة، والإحساس بالقوة الزائفة، والتعويل على الزمن والاعتقاد الجازم بأنه كفيل بإنهاء الأزمة، ونسيان حقيقة ما جرى، ومن ارتفاع المصالح على صوت المبادئ. وهذا ما يفسر الإهمال، وعدم التعامل بالجدية الكافية مع سيل الانتقادات الدولية لمجزرة رابعة العدوية والتي مر على ذكراها عام بأكمله. ولكل ما يجري في مصر منذ 14 أغسطس من العام الماضي. فقد هدد الاتحاد الأوروبي بمراجعة علاقات الدول الأعضاء مع مصر، كما أدان رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز التدخل الأمني، داعيا الحكومة إلى ضمان حرية التظاهر السلمي لكل المصريين، واتخذت دول فاعلة في الاتحاد إجراءات بدأت بالإعراب عن القلق حيال تصاعد العنف، والدعوة إلى ضبط النفس، والتلويح بعقوبات، وتم استدعاء السفراء المصريين بعواصم تلك الدول للاحتجاج، كما أدانت دول مثل الدنمارك وبلجيكا والسويد فض رابعة، وعلقت الأولى مساعدات لمصر بقيمة 4 ملايين يورو.
أما أوباما فقد قطع إجازته السنوية، وأعلن إلغاء المناورات العسكرية المشتركة، وأدان استخدام العنف، وطالب بإنهاء حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة، كما أدانت المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس والعفو الدولية عملية الفض، ووقعت 27 دولة من الدول الفاعلة أثناء اجتماعات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في مايو الماضي على بيان ينتقد سجل حقوق الإنسان في مصر.
ولم تفعل الحكومة المصرية شيئا يذكر للرد، أو تحسين سجل حقوق الإنسان بها، سوى إعلان متأخر عن تشكيل لجنة، لا تتمتع بالاستقلال الكامل لتقصي الحقائق حول ما جرى في رابعة العدوية وميدان النهضة والعديد من الأحداث التي أعقبت ذلك في مدن مصرية مختلفة، وحتى الآن لم تنته من مهمتها، ولا يمكن التعويل على عملها، الذي بدأ بالتحقيق في حرق وتدمير الكنائس في بعض مدن الصعيد، مما يؤشر على توجه اللجنة، ووفقا لتصريحات رسمية من القائمين عليها، انتقدوا غياب قوات الأمن، وتقاعسها عن حماية الكنائس، رغم الطلب الرسمي المقدم لها، كما اتهموا صراحة مجموعة من البلطجية المعروفين للأمن بالمسؤولية عن تلك الأحداث، دون أي إشارة إلى تورط أي من المنتمين لتيار دعم الشرعية، يضاف إلى ذلك أن تلك القضايا وغيرها معروضة أمام القضاء، والبعض تم الفصل فيها، وإصدار أحكام بشأنها، والآخر ما زال ينتظر، ويصل التخبط أقصاه بين الأجهزة المسؤولة عن ملف حقوق الإنسان، ولجان تقصي الحقائق في رابعة العدوية إلى درجة الحديث الممجوج والمخزي من القائمين على لجنة تقصي الحقائق، ردا على تقرير المنظمة الدولية الأخير، والذي أشار فيه إلى أنها ستستفيد من الشهادات والوقائع والأدلة التي جاءت في تقرير المنظمة الدولية في عملها، رغم أنها لجنة وطنية، من المفترض أن يتوافر لها كل الوثائق، وأن يكون تقريرها المنتظر هو المرجع الأساسي، والراصد الحقيقي لكل ما جرى دون انتظار لنتائج عمل منظمة دولية بذلت جهدا احترافيا طوال عام كامل، فجاء بذلك الشمول في المهنية والموضوعية.
كما قامت الحكومة المصرية بإصدار تقرير بائس، وعلى عجل من المجلس القومي لحقوق الإنسان في مايو الماضي، وأتذكر أنني كتبت يومها -وفي نفس المكان- منتقدا التقرير، وقلت إن القائمين عليه، إما أنهم «شهود زور» شهدوا كل شيء، وعرفوا الحقيقة، ولكنهم مارسوا الكذب في أعلى صوره، واختاروا التزوير بكل أبعاده، أو «أنهم شاهد ما شفش حاجة» أو أنهم يتحدثون عن وقائع مختلفة مغايرة، مع سيل الأدلة والوثائق المتاحة عن مجزرة رابعة والنهضة، وتنوعت الانتقادات للتقرير، ووصل الأمر إلى أن البعض قال: إن وزارة الداخلية لو أرادت إصدار تقرير يبرأها ما وجدت أفضل من ذلك، الذي صدر من المجلس القومي لحقوق الإنسان، ووصل التزوير إلى أنهم صورا الأمر كما لو كان فض الاعتصام هو اعتداء من المعتصمين ضد قوات الأمن التي شاركت في المجزرة، وتنوعت الانتقادات للتقرير، ومن ذلك حديثه بغير دليل عن عدم سلمية الاعتصام، رغم أن وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم ذكر أنه تم العثور على 15 بندقية وهو لا يبرر الاستخدام المفرط للقوة، كما أن هناك مغالطة واضحة في عدد الشهداء ذلك اليوم، والتي أشار تقرير اللجنة أنه وصل إلى 632 في رابعة والنهضة، وابتدع المشرف على التقرير الفضيحة، الحقوقي ناصر أمين مفهوم «الجثث الطائرة» وما زال يصر أن هناك خطأ في تعداد الضحايا، دون أن يسأل نفسه، وهل هناك نفس الخطأ في تقارير الطب الشرعي أو شهادات الوفاة؟
والمقارنة بين تقرير المجلس القومي وهيومن رايتس يكشف الفجوة الكبيرة بينهما، والتي لا يمكن تفسيرها بقلة الإمكانيات مثلا، ولكن بغياب الموضوعية، والشفافية، والحياد والنزاهة، فالأخيرة استمرت عاما كاملا من التحقيق والرصد وسماع الشهادات، ودراسة التقارير والأدلة، ولعل حالة الفزع الشديد، الذي ساد الأوساط الرسمية والإعلامية، وحتى الحقوقية القريبة من النظام المصري، من تقرير هيومن رايتس يعود إلى جملة من الأسباب ومنها:
- أن التقرير كشف بشكل موثق عن إعداد الضحايا من الشهداء، ليس في رابعة وحدها، ولكن من كل الحوادث المرتبطة بها، ووصل العدد الإجمالي إلى 1150، منهم ما لا يقل عن 817 في رابعة، وخمسة عند الحرس الجمهوري في 5 يوليو، و61 في نفس المكان في 8 يوليو من العام الماضي، واستشهاد 95 متظاهرا عند المنصة في 27 يوليو، و87 في فض اعتصام النهضة في 14 أغسطس، ومقتل 120 في أحداث رمسيس، وهو بذلك ينهي جدلا مستمرا، بين أرقام مختلفة لضحايا تلك العمليات.
- أنه التقرير الأول الذي يشير بأصابع الاتهام إلى أشخاص بعينهم وأسمائهم ووظائفهم متورطين في تلك المذبحة ويحددهم في وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم ووزير الدفاع الذي أشرف على الأمن في تلك الفترة بصفته نائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، ورئيس القوات الخاصة وقائد عملية فض الاعتصام اللواء مدحت المنشاوي، وثلاثة من قادة الجيش وثمانية نواب لوزير الداخلية، ومدير المخابرات العامة وعدد من السياسيين.
- أنه التقرير الأول الذي يشير إلى أن تلك الأحداث تصل إلى اعتبارها جريمة ضد الإنسانية، وقال التقرير نصا «إنها تستنتج أن القتل لا يشكل فقط انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولكنها ربما بلغت جرائم ضد الإنسانية نظرا لطبيعتها واسعة النطاق والممنهجة، والأدلة التي تشير إلى أن القتل كان جزءا من سياسة لمهاجمة الأشخاص العزل لأسباب سياسية»، ومثل هذا التوصيف يفتح الباب أمام المطالبة بمحاكمة دولية للمتورطين في تلك الحوادث إفلات كل المتورطين من العقاب بعد مرور عام، لم يتم خلاله محاسبة أحد، والأمر يحتاج إلى تحقيق دولي، ولجنة لتقصي الحقائق من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومحاكمة المتورطين أمام محاكم تطبق مبدأ الاختصاص الشامل.
وبعد، فهناك جرائم لا تسقط بالتقادم، كما أن ذاكرة التاريخ لن تنسى أبدا كل من تورط في تلك المذابح.


usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

بشرة خير

11 مايو 2013

قضية وجود!!

24 فبراير 2018

إعلام مأزوم

06 سبتمبر 2018