


عدد المقالات 328
من أبجديات إدارة شؤون الدولة ألّا تبقى أسير مشكلة يستفيد منها الآخرون. بهذا المبدأ لخّص وزير خارجية الهند، سوبرامانيام جايشانكار، سياسة بلاده في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. ويكتسب هذا المبدأ أهميته في ظل مساعي نيودلهي لتحسين علاقتها مع بكين، بعد لقاء جمع رئيس الوزراء ناريندرا مودي بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة بريكس الـ18.
وفي المقابل، تطرح الهند نفسها كخيار إستراتيجي غير رسمي للولايات المتحدة، من خلال عضويتها في مجموعة «كواد» إلى جانب واشنطن وطوكيو وكانبيرا، رغم تعثّر المفاوضات التجارية بينها وبين واشنطن.
على الجبهة الأوروبية، قدّمت الهند مقترحًا شاملًا لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بهدف المساعدة في تأمين سلامة الملاحة في البحر الأسود، وضمان صادرات الحبوب والطاقة، وإمكانية الامتناع عن شنّ هجمات، بحسب تصريحات وزير خارجيتها عقب اجتماع قادة ميونخ الأخير.
في الشرق الأوسط، تعمل الهند على توسيع تعاونها مع دول الخليج عبر التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، فضلًا عن زياراتها المكوكية الأخيرة إلى دول آسيا الوسطى لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية معها، إضافة إلى توقيعها اتفاقيات أمنية وتقنية مع إسرائيل.
ما تفعله الهند اليوم لا يشبه الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. فهي لا تتخذ موقف الحياد البارد، بل تسعى إلى توسيع دائرة خياراتها وتقليص دائرة تبعيتها. فالهند، التي تطمح إلى أن تصبح مركزًا صناعيًا منافسًا للصين، لا تزال تحتاج إلى مدخلات صينية في قطاعات حيوية، من الإلكترونيات إلى الأدوية والآلات. لذلك تستورد اليوم ما تحتاج إليه لبناء قدرة محلية تقلّل حاجتها غدًا. كذلك تحتاج الهند إلى التكنولوجيا والاستثمار والتعاون الدفاعي الأمريكي، كما تحتاج واشنطن إلى الهند في موازين القوى الآسيوية. لكن نيودلهي تدرك أن تحويل الصين إلى عدو دائم قد يجعلها أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة. لذلك، فإن إبقاء قناة مستقرة مع بكين لا يضعف موقع الهند أمام واشنطن، بل يمنحها هامشًا أوسع في التفاوض معها.
ينطبق المنطق نفسه على الشرق الأوسط. فقد تجاوزت علاقات الهند مع دول الخليج معادلة النفط والعمالة، لتشمل الاستثمار والموانئ واللوجستيات والتكنولوجيا. كما تحتفظ الهند بتعاون دفاعي وتكنولوجي متقدم مع إسرائيل.
عبر هذا النموذج، يظهر فن إدارة الدولة، وهو أن تتعاون مع قوى متنافسة في ملفات مختلفة، من دون أن تستورد شبكة خصوماتها. قد تكون التجربة الهندية، الغنية بالإثنيات والطوائف، مهمة للبنان اليوم، رغم الفارق الهائل في الحجم والقوة، وهو فارق قد يحدد قدرة كل منهما على المناورة، لكنه لا يلغي مبدأ تنويع العلاقات من أجل إنتاج قرار وطني مستقل. فهل يستطيع لبنان استخدام علاقاته المختلفة لتوسيع هامش مصلحته، لا لتوسيع ساحة انقسامه؟
المعضلة اللبنانية لم تكن يومًا في نقص علاقاته الخارجية، بل في تحوّل هذه العلاقات إلى امتداد للاستقطابات الداخلية، وإلى صراع على هوية لبنان وموقعه، بدل أن تخدم مصلحته الوطنية.
يمكن لبيروت أن تعيد بناء علاقتها مع الخليج بوصفه عمقًا عربيًا واقتصاديًا واستثماريًا. ويمكنها الحفاظ على علاقاتها المستجدة مع الولايات المتحدة، وتعزيز تقاربها مع أوروبا من البوابة الفرنسية، والتعامل مع الصين كفرصة تجارية وتكنولوجية، ومقاربة علاقتها بإيران من زاوية سيادة الدولة ومصالحها. أما العلاقة مع إسرائيل، فتبقى حالة مختلفة بطبيعة الحال بسبب المسائل الحدودية المباشرة. لكن المبدأ يكمن في أن ترتبط حسابات الدولة بالمصلحة اللبنانية الوطنية، لا بحسابات الآخرين.
الدرس الهندي للبنان لا يكمن في الموازنة بين أمريكا والصين، فحجم الهند وموقعها على الخارطة العالمية لا يُقارن بلبنان. إنما المطلوب هو الفصل بين العلاقات، وعدم السماح لأي شريك خارجي بأن يحدّد للدولة قائمة أصدقائها وخصومها، في مرحلة تستدعي توسيع دائرة الشركاء، وإخراج الدولة اللبنانية من مأزق وضعت نفسها فيه، ثم منحت مفتاح الخروج منه للآخرين.
هل يمتلك اللبنانيون أنفسهم منطق التعلّم من الدرس الهندي، أم سيبقون أسرى لمشكلة يدفعون كلفتها بينما يقطف الآخرون مكاسبها؟
بين دولة تتعامل مع مجتمعاتها بوصفها مسؤولية تستوجب الرعاية، ودولة تترك مجتمعاتها أمام كلفة إنسانية تتجاوز قدرتها على التحمّل، تبرز معضلة تستحق القراءة خارج الاصطفافات السياسية. فكرامة الإنسان معيار أيضًا لقوّة الدولة، واستجابتها للأزمات تعكس...
ثمة مؤشر قد يكشف الوجه الحقيقي للنظام العالمي الجديد أكثر من الأسئلة التقليدية التي تدور حول مَن سيحكمه: الولايات المتحدة أم الصين أم مجموعة من الأقطاب المتنافسة؟ وهو مدى استعداد العالم، بدوله ومنظماته وأفراده، لقبول...
مع العودة إلى المدارس، يعود موسم مألوف من الفيروسات. تبدأ العدوى من الحالة صفر بأول طفل يُصاب في الصفّ، ثم تنتقل إلى زملائه ويحملها كلٌّ منهم إلى أسرته، ومنها إلى أماكن عمل الوالدين. وخلال أيام...
تأسست إسرائيل عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحابها بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي...
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة...
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...