المكارثية المصرية.. أبوتريكة نموذجاً!!
21 مايو 2015 , 02:06ص
هكذا تدار الأمور في مصر، صحافي مغرض يكتب موضوعا، هو أقرب إلى التقارير الأمنية منه إلى الصحافة، وفي الأغلب والأعم أنه مسرب له من الأجهزة الأمنية، عن خلايا الإخوان في الملاعب المصرية، فتتناقله مواقع الإنترنت وبرامج التوك شو، ويشاهده أحد المحامين، فيقدم في اليوم التالي بلاغا بمضمون التقرير إلى النائب العام، وقد اكتسب هذا المحامي شهرته، من كثرة البلاغات التي تعتمد على مواد صحيفة، أو أقوال في البرامج الليلية في المحطات الفضائية. البلاغ تناول عددا لا بأس به من لاعبين سابقين، في النادي الأكثر جماهيرية في مصر، النادي الأهلي، ومنهم سيد عبدالحفيظ، وأحمد عبدالظاهر، الذي رفع شارة رابعة في إحدى مباريات ناديه في نهائي بطولة إفريقيا عام ٢٠١٣، وهادي خشبة ومحمد رمضان ومختار مختار وعماد النحاس، ولاعبون من أندية أخرى، مثل إنبي والاتحاد السكندري والإسماعيلي، وحكام مثل حمدي شعبان.
أما التهم فمضحكة، ومنها المشاركة في اعتصام رابعة العدوية مما يعني تجريم مئات الآلاف التي شاركت في الاعتصام، أو تأييد ودعم الرئيس محمد مرسي أثناء الانتخابات الرئاسية في صيف ٢٠١٢، والنيابة تتحرك وفقا للظروف السياسية، أما تحريك البلاغ، واستدعاء الأسماء الواردة في البلاغ للتحقيق معها، أو حفظه، ولكنه في كل الأحوال «ورقة ضغط» لديها، تستطيع استخدامه وقتما تشاء، وقد اتسم قرار لجنة حصر وإدارة أموال الإخوان المسلمين بحق اللاعب محمد أبوتريكة، وقرارها بتجميد أمواله في البنوك، وإحدى شركات السياحة التي يشارك فيها، بالتخبط الذي يؤكد أن اللجنة لم تملك منذ البداية رؤية واضحة تجاه القضية، من النفي إلى الاعتراف ومن التأكيد أن التحفظ يخص حصته في شركة السياحة، ثم التراجع عن ذلك بالإعلان عن التحفظ على كل أمواله، لقد كان ذلك القرار «صفارة البداية» لتلك المعركة العبثية التي تعيشها مصر، في إطار خطة ممنهجة لإلهاء الشعب المصري عن المشاكل الحياتية، التي يعاني منها، والتغطية على خيبة الأمل الواسعة لدى قطاعات عريضة من الشعب المصري، في حجم الوعود التي سمعها منذ أحداث ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وحتى الآن، والتي دخل بعدها الشعب المصري في نفق مظلم، لا يرى له نهاية، ولا في آخره بصيص من نور، مع استمرار معاناته على كافة المستويات.
محمد أبوتريكة هو اللاعب الأكثر شهرة في الملاعب المصرية، والذي أسعد ملايين المصريين بكل انتماءاتهم، وحقق لمنتخب بلاده إنجازات غير مسبوقة، ومحاولات استهدافه اتخذت أشكالا مختلفة، وأساليب متنوعة، وبدأت مبكرا، حيث تعرض لحملة تشويه ممنهجة، وأكاذيب مدروسة بعناية، قالوا إنه أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ولم تخرج أي جهة رسمية لتقدم دليلا واحدا عن نشاطاته، أو الخلية التي يعمل في إطارها، أو أي أوراق تنظيمية تثبت انضمامه للجماعة، أو حتى لحزب الحرية والعدالة، رغم أن الأمر إذا كان صحيحا، فإثباته ميسور. قالوا إنه دعم ترشيح الرئيس محمد مرسي في انتخابات الرئاسة، وهو الأمر الوحيد الذي لم يخفه، وشاركه فيه أكثر من ١٥ مليونا، انتخبوا الرجل من كل التيارات السياسية، والتي لم يكن أمامها في انتخابات الإعادة، سوى الدكتور مرسي، وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، ويقسم أبوتريكة وهو صادق، أنه لم يلتق بالرئيس الأسبق محمد مرسي، رغم أن مثل هذا اللقاء ليس تهمة، وإلا لتمت محاكمة كل المسؤولين الذين عملوا معه طوال عام من حكمه، وهم كثر. قالوا إنه شارك في اعتصام رابعة العدوية، وإثبات ذلك أيضاً سهل، فالاعتصام استمر عدة أسابيع، وليس يوما واحدا، وشخص بنجومية أبوتريكة، لو ذهب إلى الميدان، فإنه فرصة للقائمين على الاعتصام لاستثمار نجوميته في مخاطبة الجماهير المحتشدة، وإشعال حماس المعتصمين من على منصة الاعتصام، كما لم يذكر اسم أبوتريكة في التشكيلات المهنية التي أعلنت رفضها لما حدث في ٣ يوليو، كما قيل يومها مثل قضاة ضد الانقلاب، صحافيين ضد الانقلاب، ورياضيين ضد الانقلاب.
فبدأت فرية مختلفة، وهي أنه أمد ميدان الاعتصام بمولدات كهرباء، دون أن تقدم أي جهة دليل على ذلك، ألزم أبوتريكة نفسه الصمت، منذ آخر ظهور له على قناة النادي الأهلي في نهاية شهر ديسمبر ٢٠١٣، بعد أن اتهمه البعض بخلط الرياضة بالسياسة، ولكن آلة الأكاذيب لم تنته، والاتهامات المرسلة لم تتوقف، وكان أخطرها محاولة الربط بين انتمائه إلى قرية ناهيا ومنطقة كرداسة، وبين أحداث عنف شهدتها المنطقة، ومقتل إحدى كبار رجال الداخلية في أعقاب عملية فض اعتصام رابعة العدوية، لدرجة الحديث عن عملية إطلاق الرصاص على المجني عليه، تمت من الفيلا التي يملكها، ولأن الاتهام من الخطورة بمكان، فلم يصمد طويلا، وكان هناك في دوائر اتخاذ القرار، من يملك بعض العقل، لوقف السير في هذا الاتجاه، وقدمت النيابة عددا من الأشخاص تم اتهامهم حسب قرار الإحالة بهذه التهم، وأصدرت المحكمة حكمها في القضية، وغابت أخبار أبوتريكة طوال كل الأشهر الماضية، حتى بدأت مرحلة جديدة من استهداف نجم بحجم أبوتريكة.
وتشير القراءة المتأنية لأحداث قرار لجنة حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين، إلى أن الأمر لا يعدو استهداف لنجم بحجم وشهرة أبوتريكة، في رسالة إلى من يهمه الأمر، بأن التوجه الحالي للنظام، هو مزيد من التشدد تجاه كل الذين يملكون رؤية مختلفة تجاه النظام الحالي، حتى دون التورط في ممارسة أي نشاط سياسي، فكل ما جاء في أسباب قرار اللجنة كلام مرسل من نوعية أن أحد شركاء أبوتريكة في شركة السياحة، ويدعي أنس القاضي هو أحد العناصر الإجرامية، ومحبوس حاليا على ذمة إحدى القضايا في محافظة الإسكندرية، مما تبين منه تسرب أموال الشراكة لتمويل بعض العمليات الإرهابية، ولم تقدم اللجنة الموقرة من الأدلة والبراهين التي توفرت لديها من تمويل الشركة للإرهاب، سوى تحريات أمنية، تحتمل الكذب كما تحتمل الصدق، ولم تهتم تلك التحريات ومعها اللجنة بما قدمه أبوتريكة، من أنه دخل شريكا في الشركة في ٢٨ ديسمبر ٢٠١٣، في اليوم نفسه التي تم تعديل الوضع القانوني للشركة، وتخارج أنس القاضي منها، بعد حصوله على كل حقوقه كما جاء في العقد الجديد، وانتهت علاقته بالشركة منذ ذلك التاريخ، أي قبل ١١ شهرا كاملا من القبض عليه، والتي تمت في نوفمبر الماضي، وتكشف التسريبات الصحافية، عن أن الشركة تم استخدامها كوسيلة لتنظيم زيارات لقيادات من التنظيم الدولي للإخوان إلى مصر، دون أن تذكر من هم؟ ومتى حدث ذلك؟ وهل أمر هذه الزيارات في حاجة إلى شركة سياحة، ويرد أبوتريكة ولديه الدليل على ما يقول، بأن الشركة قامت بتنظيم رحلات حج وعمرة لأسر شهداء الجيش والشرطة طوال الفترة الماضية. ما يتعرض له محمد أبوتريكة نموذج حي للمكارثية المصرية، في أسوأ صورها، فالاتهامات تبنى على الظنون، والتفتيش يتم على العقول، والأحكام والقرارات تصدر على النوايا.
usama.agag@yahoo.com •