alsharq

إبراهيم عبد الله المحمدي - مؤلف وتربوي

عدد المقالات 3

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 16 سبتمبر 2026
تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

من تراث العلماء إلى التربية الحديثة تعليم بلا قسوة

17 سبتمبر 2026 , 10:24م

قد يظن بعضهم أن الدعوة إلى التعليم بلا قسوة مفهوم تربوي حديث، نشأ مع المدارس المعاصرة ونظريات علم النفس. غير أن المتأمل في تراث العلماء والمربين المسلمين يكتشف أن الرفق، والتدرج، ومراعاة طبيعة المتعلم، والابتعاد عن القهر، مبادئ لها جذور قديمة وعميقة.
لقد أدرك علماء سابقون أن غاية التعليم ليست أن يخاف الطالب معلمه، بل أن يتعلم منه، ويحترمه، ويثق به، ويكتسب إلى جانب العلم القيم والأخلاق.
ويُعد ابن خلدون من أبرز من تناولوا هذه القضية بوضوح. فقد حذّر في مقدمته من آثار العسف والقهر في المتعلم، بالقول: «ومن كان مربّاه بالعسف والقهر من المتعلمين… سطا به القهر، وحمله على الكذب والخبث…» ثم بيّن أن الخوف المستمر قد يدفع الطالب إلى إظهار غير ما يبطن، وإلى استخدام الحيلة للتخلص من العقوبة.
وهذه ملاحظة تربوية عميقة؛ فالطالب الذي يخاف من الخطأ قد يتعلم إخفاءه بدلًا من تعلم كيفية تصحيحه. وعندما يصبح همّه الأساسي هو النجاة من العقوبة، يتراجع فضوله، ويضعف تفاعله، ويتحول التعليم في نظره إلى وسيلة لتجنب الخوف لا إلى فرصة للنمو والتعلم.
وقد اهتم الإمام الغزالي بتربية الطفل، ورأى أن بناء الأخلاق لا يتحقق بالعنف المستمر، بل بالتعويد، والتدرج، والتشجيع، فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم السلوك الصحيح من خلال التكرار والممارسة، وأن يجد في التربية مساحة للخطأ والتصحيح.
وهذا لا يعني غياب التوجيه أو التهاون في السلوك، بل يعني أن يكون التصحيح وسيلة للتعلم، لا أداة للإيذاء أو الإذلال، وهنا تبرز قاعدة تربوية مهمة: لا نريد طالبًا يخشى الخطأ، بل طالبًا يتعلم منه.
وكان ابن سحنون من أوائل العلماء الذين تناولوا شؤون التعليم والمعلمين والمتعلمين في مؤلف مستقل، هو كتاب «آداب المعلمين»، وتظهر في منهجه أهمية أن يكون تأديب الطالب منضبطًا بالغاية التربوية، لا وسيلة لإيذائه أو الانتقام منه. فالمعلم، حين يتخذ إجراءً تجاه سلوك خاطئ، ينبغي أن يسأل نفسه: هل أعمل على إصلاح سلوك الطالب، أم أفرغ غضبي فيه؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين التربية والعقوبة من أجل العقوبة. فالإجراء التربوي يهدف إلى تصحيح السلوك وبناء المسؤولية، بينما قد لا يترك العقاب المجرد سوى الخوف والاستياء والرغبة في إخفاء الخطأ.
وركّز ابن مسكويه في فلسفته الأخلاقية على أن الإنسان يكتسب العادات والصفات من خلال التدريب والممارسة والتعويد. وهذا يعني أن الانضباط الحقيقي لا يصنعه الخوف وحده.
قد يلتزم الطالب أمام معلمه خوفًا من العقوبة، لكن الهدف التربوي الأسمى هو أن يصل إلى مرحلة يقول فيها: «أفعل الصواب لأنه صواب، وليس فقط لأنني أخاف العقوبة». فالتربية الناجحة لا تكتفي بفرض السلوك من الخارج، بل تساعد الطالب على فهمه واقتناعه به وتحويله إلى عادة نابعة من وعيه ومسؤوليته.  وقد دعا الشيخ على الطنطاوي إلى التوازن دون قسوة ولا تدليل، محذراً من أنهما طرفان متناقضان في التربية: تجنب القسوة المفرطة إذ عانى هو وجيله من قسوة المعلمين (كـ»الفلقة»)، مما جعله يقول: «بعد الشّدَّة التي تربينا نحن عليها، صرنا نخاف على أبنائنا من تأثيرات القسوة».
التناقض الثاني، التدليل المفرط إذ حذر من أن الخوف المبالغ فيه من القسوة قد يؤدي إلى تدليل مفرط، ينشئ جيلاً اتكالياً وأنانياً، غير قادر على تحمل المسؤولية.

ماذا تقول لنا هذه الأفكار اليوم؟
بعد قرون من هذه الكتابات، تؤكد الاتجاهات التربوية والنفسية الحديثة أهمية توفير بيئة تعليمية آمنة، وبناء علاقة إيجابية بين المعلم والطالب، وتقديم تغذية راجعة بنّاءة، وتعزيز الدافعية والشعور بالانتماء، ومن هنا، يمكن أن نضع أمام المعلم أربع كلمات أساسية: الحزم، والعدل، والرحمة، والاحترام. فالحزم لا يعني القسوة، والرحمة لا تعني التساهل، والاحترام لا يعني إلغاء هيبة المعلم، والانضباط لا يحتاج بالضرورة إلى التخويف. 
والمعلم الحازم يقول: «هذا السلوك غير مقبول، وسنطبق القاعدة بعدل». أما المعلم القاسي فيقول، صراحة أو ضمنًا: «إذا أخطأت فسأجعلك تخاف مني». الأول يبني المسؤولية، والثاني قد يزرع الخوف. الأول يجعل الطالب يعرف حدود السلوك ونتائجه، والثاني قد يدفعه إلى البحث عن طريقة لإخفاء الخطأ أو تجنب اكتشافه.
الحزم، إذن، وضوح وثبات وعدالة. أما القسوة فهي استخدام الخوف أو الإهانة أو التهديد وسيلة للسيطرة. وبين الأسلوبين فرق كبير في أثر كل منهما في شخصية الطالب ومستقبله.
إن التعليم بلا قسوة لا يعني تعليمًا بلا قواعد أو مساءلة، بل يعني تعليمًا يحفظ كرامة الطالب، ويضع حدودًا واضحة، ويعالج السلوك الخاطئ بطريقة عادلة وبنّاءة. 
وفي النهاية، ليست قوة المعلم في أن يخافه طلابه، بل في أن يقودهم بالثقة، ويؤثر فيهم بالقدوة، ويصحح أخطاءهم بالحكمة، ويجعلهم يرون في المدرسة مكانًا آمنًا للتعلم والنمو.

 

 

بين وعي الشراء.. غفلة الطلب.. أين تختفي معاييرنا الصحية؟

أصبح الوعي بأهمية الغذاء الصحي وأضرار الأطعمة غير الصحية منتشرًا بشكل واسع، وبات الغالبية العظمى من الناس يمتلكون المعرفة الكافية بما يفيد صحتهم وما يضر بها. غير أن المعادلة الحقيقية لم تعد كامنة في معرفة...

تيسير الخدمات لكبار القدر استكمال لمسيرة العطاء

تولي دولة قطر اهتمامًا كبيرًا بكبار القدر، وتقدم لهم العديد من أوجه الرعاية والدعم والخدمات التي تعكس حرصها على توفير الحياة الكريمة لهم، وحفظ حقوقهم، وتقدير مكانتهم في المجتمع. وقد أصبحت رعاية هذه الفئة جزءًا...