


عدد المقالات 604
لا يختلف الأمر في ثورة يناير المصرية في العام 2011، عما آلت إليه الأمور في اليمن، من زاوية أن الرئيس المخلوع حسني مبارك قرر في 11 فبراير إسناد مسؤولية إدارة شؤون البلاد إلى المجلس العسكري، وأن علي عبدالله صالح بعد ممانعة عدة أشهر، استجاب نتيجة ضغوط دولية وإقليمية على المبادرة الخليجية، التي وفرت له خروجا آمنا من السلطة، بضمانات كاملة بعدم الملاحقة القضائية، وبترتيبات ضمنت له البقاء في اليمن، واستمرار حزبه في البرلمان والحكومة، وفي الحالتين حكمت الأمور فكره ساذجة، بأن الثورتين في مصر واليمن استهدفت شخص مبارك وصالح، وأن القضاء على رأس الأفعى كفيل بإنهاء مخاطرها ومحاصرة سمومها، وكأن الجماهير التي احتشدت في الميادين المصرية واليمنية، خرجت فقط لإنهاء استمرار الرجلين في السلطة، بعد أن استمرا فيها طوال أكثر من ثلاثين عاما، رغم أن الشعار المرفوع بين الملايين المحتشدة في البلدين، كانت تطالب بكلمات بسيطة واضحة ومحددة، بأن «الشعب يريد إسقاط النظام»، برئيسه، وأركان دولته، ومؤسساته. وكأن الشعب الذي ثار بالملايين، يعاني من قصور سياسي، استدعي أن يختار له الرجل الذي ثار عليه، من يخلفه ومن يحكمه. المجلس العسكري في الحالة المصرية، وكلهم بلا استثناء تم تعيينهم في مناصبهم، بأوامر من مبارك شخصيا. وقد أقسموا يمين الولاء له، ونائب الرئيس عبدربه منصور هادي في الحالة اليمنية. وللأسف الشديد تم ذلك، وسط فرحة عارمة من جماهير اكتفت بالانتشاء، من قدرتها على إزاحة الرئيس في عمل غير مسبوق، على الأقل في التاريخ العربي الحديث. ولم تمر سوى أربع سنوات، حتى بدأ الجميع في دفع الثمن وغاليا، نتيجة هذا القصور في الفهم. علي عبدالله صالح لم ينس أبداً من ثاروا عليه، خاصة أن الجميع على الأقل إقليميا ودوليا، اعتقدوا أنهم حققوا لليمن تغييرا سليما، وانتقالا حضاريا للسلطة، دون إدراك بأنه إذا كان صالح قد تخلى عن المنصب، فإن رجاله الذين يحملون الولاء الكامل له، ما زالوا يتحكمون في كل مفاصل الدولة، حزبه صاحب الأغلبية في البرلمان، رجاله في المؤسسة العسكرية والأمنية. قدراته المالية التي احتفظ بها، وقدرتها أحد اللجان التي شكلها مجلس الأمن بـ60 مليار دولار، نجحت في الحفاظ على الولاءات القبلية، فتحول صالح إلى «شمشون» بصيحته الشهيرة «علي وعلى أعدائي»، فراح يهدم اليمن على رؤوس الجميع، في مخطط للثأر من كل الذين ثاروا عليه، وقضوا على حلمه في الاستمرار حاكما لليمن، ليخرج من القصر الجمهوري إلى القبر، تاركا خلفه ابنه أحمد الوريث الجديد للسلطة. أما التفاصيل فقد اختلفت إلى حد ما في مصر، واستمرت التطورات تسير في مسارها المخطط له، منذ 11 فبراير، حتى وصلنا إلى من يطالب بتكريم المخلوع حسني مبارك، ومحاميه فريد الديب يخرج متواضعا ليؤكد أن الرجل يرفض ذلك التكريم، حفاظا على الاصطفاف الوطني. الأمر في المحصلة النهائية توابع لكل ما جرى منذ 11 فبراير 2011 وحتى الآن، دعونا لا نستغرب إذا تم الإعلان رسميا، عن إعادة الاعتبار لمبارك، وانضمام الدولة إلى جماعة «آسفين يا ريس» فالوقائع تؤكد أن المجلس العسكري كان يسعى إلى الإبقاء على مبارك، معززا مكرما في قصره، في مدينته المفضلة شرم الشيخ، بكل مزاياه كرئيس سابق. فهو في نهاية الأمر، صاحب فضل على حكام مصر الجدد، واختلف السيناريو فقط، عندما خرجت الجماهير في عدة مليونيات، تطالب بالقصاص لأرواح الشهداء، وتقديم مبارك للمحاكمة. وبدأت التساؤلات حول أسباب وجوده في شرم الشيخ، وعندما خرج عبر قناة العربية، متحديا الجميع بالملاحقة القضائية، نافيا تقارير تحدثت عن ثروته، التي تقدر بعدة مليارات، لم يكن أمام المجلس العسكري سوى الانحناء للعاصفة، وتبديل الخطة الأساسية، مع تغيير المسار، من خلال بدء تحقيقات النيابة حول جرائم مبارك، مع ضمانات كافية ببراءته في نهاية الأمر، وتمتعه بمعاملة خاصة، استدعت وجوده أغلب الوقت في أحد أكبر المستشفيات، المركز الطبي العالمي، أو في المستشفى العسكري في المعادي لظروفه الصحية، ليمارس فيها حياته العادية، في ظل رعاية طبية فائقة، لا تتوافر لرموز سياسية تم إيداعها السجن بعد 3 يوليو 2013، وترفض الأجهزة المعنية تلقيها للعلاج على نفقتها الخاصة، في مستشفيات خارجية، والأهم في موضوع تحقيقات النيابة، في التهم الموجهة إلى مبارك، أنها كانت تؤدي في نهاية الأمر إلى تبرئته، خاصة أن القضاء في الأغلب الأعم يحكمه الأوراق المقدمة له من النيابة، وإذا عرفنا أن النائب العام عبدالمجيد محمود في ذلك الوقت، هو المسؤول عن تلك القضايا، وكان مطلب عزله في مقدمة المطالب المرفوعة في مليونيات ما بعد ثورة يناير، باعتباره من رجال مبارك، فكان من الطبيعي أن نصل إلى ما وصلنا إليه، وكانت أوراق قضايا مبارك خالية من أي أدلة، ليس لعدم وجودها، ولكن لإتمام مخطط البراءة للجميع الذي التزم به المجلس العسكري، قتل المتظاهرين من دون أي وثائق، بعد أن تم فرمها منذ اليوم الأول، والفساد المالي عبارة عن ثلاث فيلات لمبارك وأبنية، من حسين سالم «صندوق مبارك الأسود»، أما الملايين التي تقول الدولة إنها جمدتها، في بنوك سويسرية وأوروبية فلم يأت ذكرها في القضايا، كما فات الجميع أن مبارك ونظامه، هما من قنن الفساد في مصر، وسهل مهمة كل كبار الفاسدين من الوزراء والشخصيات العامة في مصر، سرقة المال العام بطرق قانونية، وهكذا كانت النهاية السعيدة لكل قضايا مبارك، هي البراءة له ولأركان نظامه. ولم يحاكم مبارك سياسيا على كل الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب المصري، طوال فترة حكمه التي استمرت ثلاثين عاما، زادت معدلات الفساد بصورة غير مسبوقة، بعد «الزواج غير الشرعي» بين السلطة والمال، مع ارتفاع معدلات الفقر بصورة ملحوظة. لم يعاقب على حالة التكلس والتصلب في شرايين مصر، على المستوى الداخلي، والذي صاحبه تراجع في دور مصر الخارجي، في العديد من الملفات المرتبطة بالأمن القومي المصري بشكل وثيق. لم يحمله أحد المسؤولية عن تراجع الخدمات الصحية، التي أدت إلى ارتفاع نسب الإصابة بأمراض السرطان والكبد، ناهيك عن خطط توريث ابنه جمال للرئاسة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى استهداف ثوره يناير 2011 ضد مبارك، بحملات إعلامية مكثفة، تسعى إلى شيطنتها، واعتبارها المسؤولة عن كل ما جرى في مصر بعد الثورة، من حالة عدم استقرار، وتدني مستوى الخدمات، وتراجع الاقتصاد، ومعدلات التنمية، ورغم أن الأمر وفقا لتجارب سابقة، يبدو طبيعيا ومبررا، ولكنه كان جزءا من جهد الدولة العميقة في مصر، والتي تتحكم حتى الآن في مفاصلها وهي صاحبة التأثير الأكبر على صناعة القرار، بمعاقبة الشعب المصري على فعل الثورة، والخروج على نظام مبارك. والأخطر أن كل رموز ثورة يناير من الشباب، ومن تيارات مختلفة، إما في السجون، أو أصابهم الإحباط، فقرروا الهجرة سواء للخارج، أو الابتعاد عن العمل السياسي تماماً، بعد أن انتهت طموحاتهم وتحقيق آمالهم، في إقامة دولة مدنية وحرة مستقلة، يسودها العدالة الاجتماعية، كما تم إعادة الاعتبار إلى حزب مبارك الوطني، أحد أذرع الفساد والإفساد في مصر، الذي عاد لممارسة عمله من جديد هذه المرة تحت مسميات جديدة وبعناوين مختلفة، بعد أن صدر حكم لم يصمد طويلا، بالعزل السياسي لقياداته، ولن تكون مفاجأة، إذا حصلت الأحزاب التي خرجت من رحم الحزب الوطني على الأغلبية في مجلس النواب، والساحة خالية تماماً بعد استهداف الدولة لجماعة الإخوان المسلمين بعد 3 يوليو حيث تم إلقاء القبض على الآلاف من الشباب وقيادات الصف الأول والثاني والثالث، كما تم إعادة الاعتبار، إلى نفس مجموعة رجال الأعمال، الذين كونوا ثرواتهم من فساد حكم مبارك، بل إنهم عادوا للعب نفس الدور مع النظام الجديد، وبصورة أكثر كثافة، بعد أن امتد نشاطهم إلى مجال الإعلام، الذي يمارس نفس الدور مع النظام الجديد، الذي يمثل صورة هي الأقرب إلى ما قبل ثورة يناير، لدرجة أنه لم يسمح على الإطلاق بطمأنة قطاع عريض من الشعب المصري، بإعلان انحيازه إلى ثوره 25 يناير، واعتبار أن 30 يونيو هو صاحب الفضل على الجميع. وهكذا ففي السياسة، لا يكفي قطع «رأس الحية»، بل استهداف وجودها نفسه. usama.agag@yahoo.com •
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...