القتل على الهوية..!
19 فبراير 2015 , 02:13ص
العنوان السابق، أحد إفرازات الحرب الأهلية في لبنان، والتي بدأت في منتصف السبعينات من القرن الماضي، واستمرت أكثر من 15 عاماً كاملة، وسقط خلالها الآلاف من اللبنانيين من كل الطوائف، وما أكثرها، ومن كل التيارات السياسية. وهاهي مصر على موعد من استنساخ تلك الظاهرة البغيضة، والتي تركت آثاراً لم تمح حتى الآن، وإن كان هناك خصوصية للتجربة، التي تعيشها مصر منذ أربع سنوات.
والعجيب أن أحداً لم يتوقف لرصد الضحايا عمليات القتل. فمنذ بداية ثورة يناير 2011 وحتى الآن ليس هناك أعداد دقيقة، أو موثقة لحجم الشهداء الذين سقطوا، وهم من جهات مختلفة من مواطنين عاديين، من متظاهرين، رجال أمن وقوات مسلحة، حتى وصل إلى مشجعي كرة القدم، في مذبحتي استاد بورسعيد لجمهور النادي الأهلي، واستاد الدفاع الجوي لمحبي منافسه نادي الزمالك. تختلف زوايا الرؤيا، ودرجة الاهتمام الحكومي والشعبي بها، ولكنهم لدينا سواء، فهو دم مصري يستحق المحافظة عليه، والدفاع عنه، في البداية كانت دماء شهداء الثورة والتي استمرت 18 يوماً ظنناً بعد نجاحها - وبعض الظن إثم - أن تلك الدماء التي فتحت الطريق واسعا أمام ذلك التغيير، قد تكون هي النهاية، ولكن خاب ظننا، وكانت بداية شلال الدماء الذي لا يريد أن يتوقف، وظني أن الأمر يعود إلى مجموعة من العوامل ونتوقف عند بعضها: أولا: غياب المحاسبة والمساءلة عن الجرائم المرتكبة، وهو ما يجسده «مهرجان البراءة للجميع»، بالنسبة لشهداء ثورة يناير، لقد كانت تلك «القشة التي قصمت ظهر البعير»، فرغم سقوط المئات من الضحايا، في الميادين، وأمام أقسام الشرطة، وإثناء المظاهرات التي لم تقتصر على القاهرة، أو ميدان التحرير، ولكنها امتدت إلى كل مدن مصر وقراها، ورغم وضوح القضية، وفعل القتل، والقتلة، فقد ضاعت الحقوق، عندما تم عرض الأمر على القضاء. فكانت المفاجأة هي أحكام البراءة، التي حصل عليها كل رجال الشرطة والمسؤولون في أجهزة الأمن، وسط عملية خلط واضح للأوراق، والدعاية السوداء التي روجت لها أجهزة الإعلام، بأن الضحايا هم مجموعة من البلطجية وأصحاب السوابق، الذين استغلوا انهيار الشرطة للانتقام من رجال الأمن، وكذلك تحميل الشماعة الجاهزة، من الإخوان المسلمين وجماعة حماس المسؤولية، واتهامهما بأنهما وراء قتل المتظاهرين، ولكن الرسالة الواضحة من تلك الأحكام، أن رجال الأمن محصنين ضد المسألة والمحاسبة، وبعدها عادت الشرطة إلى سابق عهدها، وتراجعت مطالب من قبيل إعادة هيكلة الشرطة، وتعزيز حقوق الإنسان، والتدريب على آليات التعامل مع الجماهير في التجمعات، ولم يبق من مهرجان البراءة للجميع من قضايا منظورة أمام القضاء، سوى عدد محدود منها استشهاد اثنين أمام قصر الاتحادية رغم أن عدد الضحايا وصل إلى 11 شهيداً، منهم تسعة من جماعة الإخوان، واثنان من المواطنين العاديين، والقضية الخاصة بهما معروضة، في إطار استهداف الدكتور محمد مرسي وقيادات الجماعة، ناهيك عن قضايا أخرى تم خلالها استهداف رجال أمن، وبعضها صدر فيها أحكام بالإعدام على العشرات، مثلما هو الحال بالنسبة لما حدث في مدينة المنيا وملوي، بينما صدرت أحكام بالبراءة في قضية سيارة الترحيلات، التي استشهد فيها 38 شخصاً أثناء نقلهم إلى السجن.
ثانيا: تعدد المناسبات التي سقط فيها الضحايا، فبعد أحداث ثورة يناير، لم تتوقف تلك الظاهرة، رغم اختلاف الأنظمة الحاكمة، من المجلس العسكري، أو في أيام الإخوان، وبعد بداية المرحلة الانتقالية في زمن المستشار عدلي منصور، أو النظام الحالي، وبدأت بمذبحة ماسبيرو، وأحداث محمد محمود، ومذبحة بورسعيد، والاتحادية وغيرها. العجيب أن أحد المراكز البحثية، وهو المركز الإقليمي للدراسات الإقليمية بالقاهرة، أصدر تقريراً عن مؤشر حالة الاستقرار الأمني بمصر، اهتم فيه بضحايا الشرطة والجيش، وفي فترة ما بعد 3 يوليو 2013، وذكر أن العدد وصل إلى نحو 522 ضحية خلال 17شهراً، منهم 203 من الجيش بنسبة 39 بالمائة و319 من الشرطة بنسبة 61 بالمائة، وقد احتلت سيناء المركز الأول لاستهداف عناصر الجيش والشرطة على حد سواء، بينما محافظة الوادي الجديد لعناصر الجيش فقط، أما استهداف الشرطة فهو الأكبر في القاهرة، والمنيا، ومطروح والشرقية والغربية، وقال تقرير المركز: إن أغسطس 2013 بعد فض اعتصام رابعة العدوية هو الأكبر، وشهد 52 حادثا، خصوصاً في أعقاب حادث الحرس الجمهوري في 8 يوليو من نفس العام، وينطبق نفس الأمر على رجال الأمن ووصل عدد الضحايا إلى 131، ولم يهتم أحد برصد كل الضحايا في كل الأحداث.
ثالثا: غياب مفهوم المواطنة، من خلال اختلاف مواقف الدولة، والقوى السياسية تجاه تلك الأحداث، ووفقا لانتماءات الضحايا، وهناك تناقضات بشعة تكشف غياب مفهوم «حرمة الدم» لدى قطاعات عريضة من المجتمع المصري، التي تستنكر الدم من طائفة، وتطالب بإهداره للمعارضين حتى لو كانوا سلميين، ويمكننا مقارنة مواقف الطبقة السياسية، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها في وفاة محمد الجندي، أحد المنتمين للتيار الشعبي، وكان ذلك في زمن الرئيس محمد مرسي وتم تسييس القضية، والموقف من استشهاد شيماء الصباغ المتخاذل، منذ عدة أسابيع، وهي تحمل باقة من الورود، كانت في طريقها مع عدد محدود من التيار لإحياء ذكرى ثورة 25 يناير الماضي، فتم استهدافها بالرصاص، والغريب هي اتهام اثنين من زملائها بالتورط في القتل، قبل أن تفرج عنهما النيابة، في ظل صمت الطبقة السياسية. ولا تتوقف ازدواجية معايير التيارات السياسية عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى التعامل مع ضحايا ما بعد 3 يوليه 2013، بشماتة تفتقد أي معان للإنسانية، وحتى الآن لم يتم فتح تحقيق أو معرفة من المتورط في تلك الجرائم. أما موقف الدولة فحدث ولا حرج، كل التقدير والإشادة بالشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة، وهم يستحقون ذلك وأكثر، خاصة بعد سقوطهم على يد إرهاب مرفوض، ولكن ماذا عن ضحايا التظاهرات، أو الاحتفال بالمناسبات مثلما حدث في 25 يناير، الإعلام ومن قبله الدولة، يتعامل معهم كمجرمين يستحقون أكثر من القتل، وقد تحول اتهام الإخوان إلى شماعة، أو طريق للتهرب من المسؤولية، مثلما حدث في مذبحة استاد الدفاع الجوي لجمهور نادي الزمالك، الذي خرج رئيسه، ومعه جوقة من النقاد الرياضيين ورجال الإعلام، لاتهام الإخوان بالسيطرة على مجموعات المشجعين، ويطلق عليهم الألترس، وأن ما حدث من جريمة أودت بحياة العشرات، استهدفت التأثير على زيارة الرئيس الروسي بوتين، والمؤتمر الاقتصادي، دون أي مسؤولية على أجهزة الأمن وإدارة النادي.
وللأسف الشديد، ستستمر الظاهرة، طالما لم يعد هناك اهتمام بحرمة الدماء.
usama.agag@yahoo.com •