الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
03:12 ص بتوقيت الدوحة

خلط أوراق ومفاهيم و«حريات» بعد جريمة باريس

عبدالوهاب بدرخان
أسئلة كثيرة بقيت بعد المقتلة البشعة داخل مكاتب مجلة «شارلي إيبدو»، قد يكون أولها عن القصور الأمني الذي اعترفت به السلطات أخيراً، وليس آخرها عن مدى جدّية المقاربة الحالية للإرهاب ومحاربته، فالمجلة كانت مستهدفة، والمسلحان اللذان هاجماها كانا معروفين وموضوعين في دائرة الاشتباه، وكان مبرراً تضييق الرقابة عليهما في مناخ الترقب الذي تعيشه فرنسا وبلدان أوروبية أخرى طالما أن القانون يمنع توقيفهما من دون اتهامات محددة. هناك آخرون طلقاء ومشتبه بهم، وقد يقدم أحدهم أو بعضٌ منهم على عمل مماثل في أي وقت وضد أي هدف، فما العمل؟ هل يتركون إلى أن يرتكبوا الجريمة وتسقط ضحايا؟ إذا كان الرأي العام ضاق ذرعاً بما يقدم عليه «الإسلام المتطرف»، فإن أول المتضررين وأكثر المتذمّرين من هذا الواقع هم المسلمون في فرنسا وفي سائر أوروبا.
صحيح أنه لا يمكن سلخ هؤلاء القتلة عن المجتمع الذي نشأوا فيه، لكن تحليل سيرتي الأخوين شواكي يظهر أن الحظوظ كانت متساوية بين أن يُضبطا في عداد أي عصابة للتهريب والمتاجرة بالممنوعات، أو أي مجموعات متطرفة متستّرة بالدين، ولعل أحدهما اختار هذا الطريق ثم اجتذب الآخر بعدما زُيِّن له أنه منتدب لأعمال يشرعنها الدِين وتضعه على الطريق الصحيح في خدمة الإسلام. هذا لا ينفي حقيقة أنهما تصرفا كخلية صغيرة متحركة في المجال الإجرامي الجنائي أكثر مما هي معنية بشؤون دينية تهمّ جميع المسلمين في مواطنهم ومهاجرهم، وإذا صحّ أن القيادي «القاعدي» اليمني أنور العولقي هو من كلّفهما بالمهمة، والعولقي نفسه قتل عام 2011، فقد شكلا مذّاك خلية نائمة أوقظت أخيراً، ومن شأن الأجهزة أن تعتقد بوجود خلايا أخرى شبيهة بها، لعل الجالية المسلمة تريد لهذه الخلايا أن تزول جميعاً، لكن ليس من شأنها أن تتحوّل هي نفسها إلى شرطة.
بعد الجريمة التي قال أحد مرتكبيها: إنها «ثأراً للرسول»، لم يتوقف أحد عند هذا التفصيل، بل عمّت الإدانات والاستنكارات، وقصد عشرات قادة الدول أو من ينوب عنهم باريس للمشاركة في تظاهرة غير مسبوقة كان شعارها المعلن «التضامن مع الضحايا والدفاع عن حرية التعبير». ومنذ تلك اللحظة كان معروفاً ومفهوماً أن الجميع بلا استثناء يرفض واقعة القتل، وليس الجميع مؤيداً لنشر رسوم تسيء للإسلام ورسوله، بل لا يؤيد التعرّض لمقدسات أي أمة. ولأن التظاهرة كانت لها رمزية عالية فقد نُظر إلى وجود بنيامين نتنياهو فيها باستهجان، بل إن الفرنسيين سرّبوا إلى الصحافة الإسرائيلية أنهم نصحوه بعدم المجيء. وهو لم يأتِ رغماً عن المضيف فحسب بل أطلق الكثير من الكلام الحاقد على الإسلام والمسلمين، ثم ضغط على أهالي الضحايا للتصرف كيهود لا كفرنسيين ولإرسال الجثامين لتُدفن في إسرائيل، وتأخر كثيراً حتى تذكّر ذلك العامل المسلم من مالي الذي أنقذ يهوداً آخرين في عملية الرهائن ذاتها.
وإذ أراد «الناجون» من المجزرة تحدّي الترهيب الذي تعرّضوا له فقد صدّروا العدد الاستثنائي من «شارلي إيبدو» برسم للنبي محمد، على سبيل التحدّي، هنا انفرز المتعاطفون بين مؤيد مطلق لـ «حرية التعبير» ومعارض للاستفزاز المتعمّد. وهكذا فإن شعار «أنا شارلي» الذي رُفع تعاطفاً قبل أسبوع لم يعد له المعنى نفسه بعد أسبوع. فالصحافة الأميركية والبريطانية التي دافعت عن حرية التعبير لم تجد سبباً لإعادة نشر الرسوم، تمايزاً عن الإثارة المفتعلة الذي تتبعها المجلة الفرنسية، وعن أسلوبها في استخدام الحرية المتاحة. وفيما اعتبر بابا الأقباط تواضروس الثاني تلك الرسوم «عملاً لا إنسانياً ولا أخلاقياً ولا يساهم في السلام العالمي»، نبّه البابا الفاتيكاني فرنسيس إلى أن حرية التعبير «لا تعني إهانة المعتقدات». وبعدما عبر الأزهر عن الاستياء فإنه دعا المسلمين إلى «تجاهل» الرسوم، أما الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين فرأى أن «لا حكمة» في نشرها، لأنها «تساعد المتطرفين»، لكنه دعا إلى التظاهر السلمي ضدّها.
في سياق كهذا أصبحت «حرية التعبير» نفسها موضع جدل. لا يمكن أن تقتصر الحرية على ما تريد «شارلي إيبدو» نشره. وهل يعني ذلك أن الصحافة الأخرى في الغرب محرومة من حريتها. بل هل يعني أن تكون الإساءة إلى نبي الإسلام متاحة وإلا فإن حرية التعبير تكون في خطر، لا شك أن هناك شيئاً تغيّر في طريقة التفكير في هذه المسألة، لكن ينبغي أن يحصل تغيير في الجانب الآخر الذي كان ذهب إلى حد تبرير القتل. ففي البداية، عندما نشرت الجريدة الدانماركية أول رسوم مسيئة، قيل: إن الهدف تحسيس المسلمين إلى أن «ثمة مشكلة تطرف في صفوفهم ولا يبدون واعين لها»، وفقاً لتصريحات أحد مسؤولي الجريدة الذي قال أخيراً: إن إعادة النشر نقلاً عن «شارلي» لم يعد لها مغزى.
بالطبع هناك الآن ملفات كثيرة فتحت، فالاعتداءات على مسلمين ومنشآت مسلمة تتكرر، كذلك الاحتكاكات ذات الطابع العنصري، ناهيك عن عودة قوية للحديث عن صراع الحضارات والثقافات بعدما خصص المؤلفان إريك زيمور وميشال ويلبيك كتابيهما لمخاطر الإسلام والمسلمين على مستقبل الأمة الفرنسية، فالأكيد أن هناك مشكلة تنبغي معالجتها بمزيد من برامج الاندماج، لكن المؤكد أن الاسترشاد بوصايا هذين الكاتبين يعني ضرورة التخلّص من هؤلاء المسلمين بأي شكل.
أما أكثر ما كان يهم الحكومة الفرنسية، بعد الجريمة، فهو أن يصار إلى تحسين مستوى التنسيق والتعاون وتبادل المعلومات، وقد تبين أنه ضعيف حتى بين بلدان غربية مهددة بالخطر نفسه، لذلك لا بد أن تكون قمة فبراير في الولايات المتحدة فرصة كي يقول الأوروبيون للأخ الأكبر: إن الاستراتيجية الراهنة للحرب على الإرهاب ستأتي بـ «داعش» إلى مدنهم، ولا بد إذا من تعديلها.