الأحد 6 رمضان / 18 أبريل 2021
 / 
09:36 م بتوقيت الدوحة

مكتب ولوحة مفاتيح

بثينة الجناحي
ويستمر تعلمي الشيق جدا عند قراءة كتاب حياة في الإدارة للأديب غازي القصيبي رحمه الله، فتيقنت لشيء واحد للحياة المهنية أننا نستطيع أن نكتسب مهارات متعددة جدا جداً بناء على طبيعة العمل التي ليست من الضروري أن يكون لها ارتباط مباشر في التعليم الجامعي.
بل وتيقنت أيضاً أن التعليم الجامعي ليس سوى تعلم مهارات وأساسيات منهجية للبيئة المهنية. الجامعة لا تصقل المهارات على قدر التدريب لتلك المهارات إن صح القول، بل للجامعة دور كبير في تنظيم الفكر والمنطق لدى الطالب حتى يتمكن من اتخاذ القرارات، التحاور وحتى الاجتهاد في تنفيذ المهام.
المسألة كلها ترتبط بتحمل المسؤولية اتجاه الوطن، العائلة وحتى اتجاه نفسك. رحمه الله غازي القصيبي كان يرشح لعدة مناصب في الدولة، وما كان هناك المانع أن يرفض المناصب الإدارية، خاصة أن المنصب الإداري استراتيجي أكثر من كونه مضمونيا متعلقا بتخصص معين. النظرة الإدارية تختلف عن النظرة المهنية، وكأنها مظلة لآلية العمل والاستدامة. ولكن للكثير، المنصب الإداري بعيد عن مؤهلاتهم، أو حتى غير ضروري. في الوقت نفسه قد يشعر الموظف أن ما يعمل به هو مجرد منصب إداري لا شأن له بمهنة ويبدأ اللوم على عدم ارتباط المهنة بالتخصص وهذا شائع، بل وعدم وجود تخصصات مناسبة لهذه المهنة.
البعض الآخر يرى يديه ويقول أنا لا أعمل بهم، أنا لا أرى إنتاجي بشيء ملموس، أنا أكتب على لوحة المفاتيح وأحتسي القهوة وأستمع للأغاني بانتظار أوامر من المدير إن كان لديه أوامر لي أنا، لمنصبي بالتحديد. لأن للأسف هناك محدوديات لأنواع الوظائف وقيودا للمؤهلات المطلوبة. في بعض الأحيان أشعر بأن برامج التقطير في جهة والوظائف في جهة أخرى، الجهتين يدورون حول أنفسهم دون اعتبار متطلبات جيل اليوم، ومهن اليوم. أنواع الوظائف اليوم ما زالت بنمط واحد معتاد يبدأ بالاستيقاظ صباحا، قيادة السيارة إلى جهة العمل، الجلوس على المكتب، انتظار القهوة وقراءة الجريدة، العمل في وقت محدد جدا، فراغ ثم فراغ إلى حين قرب موعد الانصراف. وكأن نمطا وبائيا "اشتراطي للاستحقاق المادي" لجميع الموظفين اليوم يقتصر على مكتب ولوحة مفاتيح. وهذا النمط يجعلني أستوقف لحظة عند المفكر عبدالله القصيمي رحمه الله، حينما قال:"إن غير الموهوبين في المجتمعات التي لا تلد الموهوبين يجب أن تعلم أيديهم وعضلاتهم وأرجلهم لا عقولهم أو أفواههم أو عيونهم.. أن يحشدوا في المصانع والمزارع والمناجم، لا في المدارس أو المعاهد أو الجامعات.. أن تدرب أخلاقهم على الفداء والعطاء، الصبر والحب لا أن تدرب أيديهم أو عقولهم أو أفواههم وذاكرتهم على القراءة والكتابة والمذاكرة والاستذكار والحفظ" من كتاب العرب ظاهرة صوتية 2006.
من هنا أستطيع أقول إن غالبيتنا لزمنا ولزم بنا المجتمع أن يصنع منا متعلمين وموظفين بلا وظائف، أن نمشي على نمط واحد فقط للحصول على الدعم، والشعور بالولاء، وخدمة الوطن.
فقدت الخيارات ليكون لدينا الإيمان بالموهبة والدعم للموهبة، بل أصبح الشائع أن نستقدم الموهبة من الخارج.
أقدر ما بادر به المدرب محمد الجفيري حينما نادى بالشباب أن ينطلقوا بمشاريعهم والإيمان بالحرية المالية. ولكن يا أستاذ محمد إن كنا لا نزال نعتمد "كأساس" على المناهج المدرسية والجامعية التي تؤهلنا لوظائف فقط لا للمواهب أيضا. كيف للشباب أن ينطلقوا بمشاريعهم دون الدعم وكيفية اكتساب تلك الحرية المادية، إن لم تكن ورثا، أو أملاكا خاصة كإحدى الدعائم للحرية المالية التي لا تنطبق على الجميع أصحاب المواهب والموظفين! نحتاج شرحا مفصلا لما تعنيه بالحرية المادية لانطلاق الشباب نحو مشاريعهم، خاصة ونحن نتحدث عن وضع أصحاب المشاريع "الثنائي" ما بين وظيفة في الصباح تدعم مشروعه في المساء لضمان السيولة المالية.
تساؤل لماذا تقتصر الدولة على دعم التقطير في الوزارات والشركات ولا تدعم المواهب والمشاريع الحرة؟! فكلا النمطين في النهاية يقدمان الوفاء والعطاء والصبر والولاء والحب للوطن! هل سيأتي اليوم الذي يتغير فيه نمط الوظيفة، نمط الطاولة والكرسي ولوحة المفاتيح!

اقرأ ايضا

الانتماء بمنظور حديث

21 ديسمبر 2017

ما بعد يوم المعلم

11 أكتوبر 2018

دفعات سيئة!

09 أبريل 2020