الأحد 6 رمضان / 18 أبريل 2021
 / 
07:41 م بتوقيت الدوحة

مرحلة استشراء التطرّف.. شرقاً وغرباً

عبدالوهاب بدرخان
بعد بروز اليمين الشعبوي في الاستفتاء البريطاني ومنحى التشدّد الذي تتسم به حكومة تيريزا ماي، وبعدما بدأت استطلاعات الرأي تظهر تقارباً في الحظوظ بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، يتعزز الاتجاه نحو سياسات أكثر انغلاقاً في الغرب، وبوتيرةٍ اجتماعية تسابق حتى الخطاب الاستفزازي الذي نهجه المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية أو الوزير الجديد للخارجية البريطانية بوريس جونسون. تاريخياً يتبادل البلدان التأثير، أحدهما في الآخر، وغالباً ما يلتقيان في مزاج سياسي واحد، رغم الاختلاف في طبيعة النظامين. والمفارقة أن ترامب، كما جونسون، تقاطعا في مغازلتهما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع أن الأخير ينتهج خطاً متحدّياً للولايات المتحدة وللغرب عموماً، كما أنه أعاد مناخ الحرب الباردة، من دون أن يواجه ردّاً قويّاً من باراك أوباما وإدارته، ولا من المرشح ترامب الذي بنى صعوده السياسي على نقد مرير لأوباما وضعفه.
يبدو القطبان الدوليان متفقين على أن صراعاتهما «الاستراتيجية» غير قابلة للانتهاء، ولا مانع من مزاولتها بتدابير يمكن أن تبلغ أقصاها من دون أن يذهبا إلى مواجهة حربية. ومع أن زعماء حلف شمال الأطلسي (الناتو) تداولوا أخيراً في ما اعتبروه الخطرَين الأبرزين، روسيا والإرهاب، وأقرّوا نشر منظومات الصواريخ الدفاعية، وإرسال قوات إلى دول أوروبا الشرقية، إلا أن موسكو فضّلت التقليل من أهمية إجراءات كانت انتقدتها بشدّة وغضب في فترات سابقة. لا يعني ذلك سوى أن القطبَين متفقان، خصوصاً على أن لديهما عدواً مشتركاً هو الإرهاب، ويريدان إبقاء نوافذ مفتوحة للتعاون ضدّه، فما دامت محاربة الإرهاب توحّدهما مرغَمين، فلا داعي لتسخين التوتّرات القائمة، تحديداً في أوكرانيا التي لا تلبث أزمتها تكرّس شرخاً تقسيمياً بشكل يصعب رأبه أو الرجوع عنه، ولا حتى بصيغة تفدرل شرقها الروسي مع غربها الطامح لأن يكون أطلسياً.
في روسيا أيضاً يُعتبر النهج الذي صاغه بوتين مزيجاً من الشعبوية والشوفينية، في معركته الأوكرانية، ثم في تدخّله في سوريا حين وجد مصلحةً في إقحام البلاد ضد الإرهاب الموسوم بـ»الإسلام». فخطابه وعقليته وأدواته لا تختلف عن تلك التي استخدمها ترامب في حملته للانتخابات التمهيدية، أو جونسون في قيادته لحملة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وبمعزل عن اختلاف الطموحات فإن الثلاثة يخاطبون ويحرّكون جمهوراً متشابهاً، والثلاثة يستخدمون الإرهاب عنواناً سواء لتبرير سياسة تدخّلية (بوتين) أو لتسويق سياسة عنصرية وانعزالية (ترامب وجونسون). أما الأخيران فيدمجان مخاطر الإرهاب مع مشاكل الهجرة، ليستخلصا أنهما من الأسباب الرئيسية المباشرة للتعثّر الاقتصادي.
لا يمكن المجادلة في ضرورات المواجهة العسكرية والأمنية للمجموعات الإرهابية، فحتى الدول والتحالفات التي تخوض هذه المواجهة تؤكّد باستمرار أهمية الإصلاحات السياسية المطلوبة لمعالجة التطرّف الديني في بيئاته الأساسية. وبمقدار ما يمكن لوم الأنظمة التي تسبّبت بهذه الظاهرة، التي أصبحت الآن هاجساً وتهديداً يوميَين، بمقدار ما تجب مسائلة الدول الكبرى عن سياساتها، التي كانت ولا تزال لها مساهمة مباشرة في ولادة هذه الظاهرة. الأخطر أن هذه السياسات، كما تتبدّى في صراعات الدولتين الكبريين وتوافقاتهما، وفي تداعياتها الاجتماعية خصوصاً في الدول الغربية، ماضيةٌ الآن في فتح آفاق جديدة للإرهاب والإرهابيين: انظروا إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا، حيث تتنافس محاربة الإرهاب مع استثماره، وتتسابق لإعادة رسم خرائط الدول مع استنزاف مواردها وقدراتها على النهوض مجدداً.