


عدد المقالات 103
ضرب الرجل ممتلئ الجسد زميله الأكثر امتلاء استخدم كلاهما فنون المصارعة بدقة وحرفية، وفي ختام المباراة فوجئت بجدية التحية التي تبادلها كلاهما، بل إن أحدهما ربت على كتف الآخر وعاد لتهنئته مرة أخرى عقب تسلم الأول للكأس. كنت في العاشرة من عمري حين فطنت لهذا المشهد التلفزيوني الغريب الذي أتى صادما لما وعيت عليه في واقعي الذي لم يترجم أمامي ما سبق أن عرفته الكتب «باختلاف وجهات النظر». كبرت لأرى العالم فريقين، أحدهما يسعى للتفوق على الآخر وإزاحته عن طريقه. كنت في نهاية المرحلة الابتدائية حين توجهت لاعتلاء المسرح المدرسي كما يتوجب على المشاركين في المسابقة. لنتلقى أمام الجمهور أسئلة قاسية في الرياضيات والعلوم، وبينما كنت أصعد الدرج سمعت الأخ الأكبر لإحدى الزميلات المتنافسات يهمس في أذن أخته «دمريهم جميعا». انتهت المسابقة وفازت تلك الزميلة التي تلقت نصيحة بتدميرنا، وكنت أنا في المرتبة الثالثة. تلقت هي الميدالية الكبيرة وتلقيت ميدالية صغيرة. ذهبت زميلتنا الفائزة من دون أن تلتفت للوراء. ولم يشر عليها أي من الأساتذة والمشرفين بوجوب تحية الزملاء، فلا هي فعلت ولا أي منا فعل، لكني علمت ساعتها أن هناك فائزا يدمر الآخرين، وأن المختلفين معنا أو المتنافسين هم أعداؤنا.بقي المشهدان يتصارعان في رأسي: مشهد رياضي منافس يحترم ويحيي بصدق زميله الفائز، ومشهد لفائزة طلب إليها أن تسحق منافسيها. دارت عجلة الحياة لأكتشف أننا جميعا نعيش ذلك الصراع. صراع بين قبول الاختلاف والتنافس النظيف. وتدمير المختلفين والمتنافسين. وفي أغلب الأحوال فإن الخبرات التعليمية والإعلامية والأسرية والعملية، فضلا عن السمات الفردية المختلفة لكل منا هي من تحسم الاختيار. الاختيار بين أن تمتلك وجهة نظر وتختلف برقي مغلبا المثل العليا في الاختلاف، وبين أن تعين نفسك «الأفضل» على كل العباد وما دونك هو الأقل ومن يختلف معك فهو المخطئ حتما. ذلك الصدر المغلق على جانبين يمكن له أن يتسع، أن يتمدد طالما أن الحياة ذاتها متمددة واسعة لا نهائية، حاملة لبدائل لا يمكن حصرها ولا يمكن لخبراتنا المحدودة جمعها، ولا يستطيع أي «أفضل» فينا أن يحتكرها. بعض التيارات الدينية في مصر وفي تونس وفي اليمن وربما غدا في دول عربية أخرى تدعي أنها الأفضل، تدعي أنها الأصلح وأنها التي تملك الرأس، وعلى الآخرين أن يكونوا الجسد الذي يطيع لكن الجسد الذي هو آخذ في الوعي. والشعوب التي بدأت في الاستيقاظ لن تقبل من ينوب عن عقلها ولن تسلم رأسها هدية لأي فئة كانت تتحدث باسم الله أو باسم قبيلة أو عائلة أو فكرة أو مشروع، لن يكون هناك من طريق سوى احترام الجميع لعقل الجميع سوى قبول الاختلاف سوى التفاوض المتكافئ. ذلك المستقبل لن يهبط علينا أيضاً من السماء هدية مجانية، بل إن علينا كأفراد وجماعات وأسر وثنائيات أن نسعى إليه كل في موقعه. فعلي أن أقبل أن ابنتي المراهقة لا ترحب بصحبة صديقاتي «المملات» ولا يعجبها قصة شعري ونوعية الروايات التي أفضل، في حين لا أجد أي منطق في مشاهدتها لأفلام الأكشن، ولا في طلاء الأظافر الأسود والأخضر. والملابس رافضة الكي. على زوج صديقتي أن يكف عن رسم معالم يومها واختيار العلوم التي يدرسها أبناؤهم باعتباره «الأفضل» عقلا في الأسرة. وعلى الإعلام أن يكف عن إقناعي بأن من يختلفون مع المجلس العسكري المصري هم خونة، فقد يكونون فقط أصحاب وجهة نظر أخرى، وعلى المجتمع أن يقبل أن «نجيب ساويرس» رجل الأعمال المصري ومؤسس أحد الأحزاب السياسية الليبرالية له وجهة نظر ترفض حصر الإسلام في اللحية والنقاب، وأن آراءه وإن لم تعجب البعض فهي وجهة نظر أخرى، وجهة نظر يمكن أن يكون لها مكان في فضاء واسع كبير قادر على حمل ملايين من وجهات النظر. ولن تتعب السماء ولن يشتكي الفضاء من كثرة الأفكار ووجهات النظر، بل ربما يكبر الصغار فيدركوا أن الأفق واسع وأن كل وجهات النظر تعبر عن فكرة ما تستحق التأمل. ويكتشفوا أن الله خلق فينا العقول لتشغيلها، وأن الاختيار الحر يحتاج إلى فضاء حر إلى تنشئة حرة إلى إبداع حر وإعلام حر وإلى تعليم حر. علينا أن نتمتع بالتنوع. أن نطلق العنان لنكتشف تميز أبنائنا وأزواجنا وأصدقائنا ومعارضينا وحتى أعدائنا فهم بشر خلاق يملك إمكانات هائلة تماما مثلما نملك ربما حرم البعض من فرصة لتوظيف مهاراته، وربما هي فرصة لنا أن نتيح لإنسان اكتشاف قدراته. فالسيطرة وإن كانت فعلا مهيمنا يعزز السلطة، فالمشاركة وقبول الاختلاف والتنوع فعل إنساني يعزز قيمة الخلق فينا، يعزز مبرر خلقنا، يعزز الإبداع، يعزز الرقي والتسامي عن الصغائر. ويعزز أيضاً البناء فلن يبقى فينا من سيعيش بلا نهاية، لكن سيبقى أثر كل شخص يفتح أبواب قلبه وعقله تاركا الحقول واسعة للآخرين من دون حدود ولا أطر، وبدون تجريم للاختلاف مهما شرد فليس فينا نائب عن الخالق، لم يبعث الله بجيش يصد عنه فهو القادر على الحساب وهو المراقب وحده، بينما نحن جميعا أفراد بشر متساوون مهما تميز بعضنا.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...