المصالحة المستحيلة!
17 أكتوبر 2013 , 12:00ص
يبدو الأمر كما لو كان سحابة صيف، أضغاث أحلام، أو انتظار معجزة، في زمن يخلو من المعجزات. عندما يتم الحديث عن مصالحة وطنية في مصر، فالجميع يمارس ويتلذذ بلعبة "عض الأصابع" في انتظار أن يعرب الطرف الآخر عن ألمه، عن شكواه، وهو ما لم يحدث منذ أكثر من مئة يوم على الانقلاب العسكري في مصر في 3 يوليو السابق. ومع مرور الوقت نجد أن الدولة تخوض معركة الكل فيها خاسر، ليس مسموحا بأن يكون هناك طرف منتصر بنسبة مئة بالمئة، عولت الدولة المصرية على أدوات البطش، التي تملكها، على جبروت القوة التي تستخدمه، بكل الوسائل الإعلامية والأمنية والقضائية، ضد جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، سقط الآلاف من الشهداء، وتم اعتقال كل قيادات الصف الأول والثاني والثالث من الجماعة، دون أن يتحقق الهدوء المنشود، أو الاستقرار المفقود، أو تصبح الجماعة، ومعها فصائل المعارضة، جزءا من الماضي أو في "خبر كان ". عولت الدولة على الزمن في حل الأزمة، وفتور الحماس، والتخبط في اتخاذ القرارات، نتيجة سجن القيادات، ولكن ذلك لم يحدث.
ومن الجانب الآخر، اعتمد تحالف دعم الشرعية، وفي القلب منه حزب الحرية والعدالة، على صمود قواعده، فكان له ما أراد، مع استمرار الاحتجاجات والمظاهرات، فلم يقصر أحد، مع دخول قطاعات ومجموعات سياسية جديدة، تكتشف أنها أيدت انقلابا لا تريده، وحكم مؤسسة عسكرية ثارت عليه في يناير 2011، فاستجاب البعض، ولكن الأغلبية انحازت إلى رفضها للإخوان، وتحول الأمر إلى مشاعر كراهية، عانت الحكومة من وضع غير مستقر واندلاع أعمال عنف في سيناء، وفي مناطق أخرى من مصر، فتم استثماره إعلاميا في الحرب ضد الإخوان، في تشويه صورتهم، في اتهامهم بممارسة الإرهاب، ومع ذلك ظلت السلطة على موقفها، متمسكة بخريطة الطريق، التي تم الإعلان عنها، وكانت بمثابة بيان الانقلاب، ترفض تغير أي لفظ فيه، فما بالك إذا كان الأمر يتطلب تغيير سياسيات!! تعول الحكومة على فكرة الأمر الواقع وترسيخه، خاصة أنها تملك الإعلام الخاص والعام، الموالي لها على طول الخط، المدافع عنها دوما، وتملك آلة البطش، وكل أجهزة الدولة العميقة، التي تجد في دعم الانقلاب متوافقا مع مصالحها، مع تطلعاتها، مع عودتها من جديد، لتصدر المشهد السياسي في مصر.
والعجيب في الأمر، أن حديث المصالحة بدا مبكرا جداً، في نفس اللحظة التي تم الإعلان عن خريطة المستقبل، حيث نصت في البند العاشر، على " تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، من شخصيات تتمتع بمصداقية، وقبول لدى جميع النخب الوطنية، وتمثل مختلف التوجهات" هذا هو نص ما جاء في خريطة المستقبل، فهل تم تنفيذ حرف واحد من ذلك؟ وهي مسؤولية النظام القائم، السلطة الحالية، على العكس تماماً، ظهر أنها حسمت أمرها، واختارت طريق المواجهة، شجعها على ذلك، استمرار اعتصام رابعة العدوية، وميدان النهضة، وتوالي الاحتجاجات والمظاهرات اليومية، في الهروب من استحقاقاتها التي ألزمت نفسها بها، وقد أسهمت ظروف عديدة في تصعيب فكرة المصالحة الوطنية، من ذلك سقوط الآلاف الضحايا، في إنهاء ظاهرة الاعتصام، وقبلها عند الحرس الجمهوري، وفي المنصة في مدينة نصر، وحملة الاعتقالات الواسعة، التي طالت الجميع، من المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، إلى قيادات الصف الثالث، ومن قبل التخلص من الضغوط الدولية، المطالبة بالإفراج عن الدكتور محمد مرسي، وتحويله من "مختطف" بشكل قسري، إلى "متهم" بقائمة اتهامات غريبة، ومسيسة حتى النخاع.
ولم تدرك السلطة الحاكمة، أن الأمور لن تمر بالسهولة التي صورتها لنفسها، أو سياسية التعويل على فرض الأمر الواقع بالقوة، وإن الجماهير التي صمدت في الشوارع، أثناء شهر رمضان في حر يوليو، تحتاج إلى أن يكون لدى قيادتها بعض المكاسب، التي يمكن إقناع تلك الجماهير بأنها حققتها، وتسمح بإقناعها بالعودة إلى منازلهم، ولكن التيار الإقصائي، والرغبة في استئصال جماعة الإخوان المسلمين، ومشاعر الكراهية، والسعي إلى الانتقام داخل دوائر السلطة الحاكمة في مصر، ومن يؤيدها هو المسؤول عن استمرار الأوضاع على حالها، رغم تعدد محاولات الوساطة، وحجم المبادرات التي قدمها أفراد، وجماعات وأحزاب، وتنوعت ما بين عودة الشرعية، والتمسك بها، بمعنى عودة الدكتور محمد مرسي، والدستور، ومجلس الشورى. وهو ما قدمه التحالف الوطني لدعم الشرعية. بالإضافة إلى الإفراج عن كافة المعتقلين، ومنع الملاحقة القضائية، مثلما عرضت أحزاب غد الثورة والوطن والنور، ومنها أيضاً طرح دكتور محمد سليم العوا، وطارق البشري، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي. والذي مثل تنازل معقولا، حيث تضمنت تفويض رئيس الجمهورية لسلطاته، إلى وزارة وطنية مؤقتة، قد يرأسها وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي نفسه، كما طرح حزب مصر القوية برئاسة عبدالمنعم أبوالفتوح مبادرة تضمنت البدء في مفاوضات بين الطرفين، السلطة وتحالف دعم الشرعية، والإفراج عن كافة المعتقلين، مع استمرار التحقيقات القانونية، إقالة وزير الداخلية، وتعيين نائب عام جديد، والاستفتاء على خريطة المستقبل، وآخر تلك المبادرات ما قدمه الدكتور أحمد كمال أبوالمجد وهو ليس بعيدا عن دوائر صنع القرار، وان كان يحظى بقبول من التيار الديني. وأهم بنود المبادرة أن يتم التوقف عن كل أشكال الاحتجاجات، وأن يعترف تحالف دعم الشرعية بثورة 30 يونيه، وتجاوز عقدة المطالبة بعودة الدكتور محمد مرسي، دون أي التزامات على الطرف الثاني، الأقوى الذي يملك السلطة، ويتحكم في مفاصل الدولة فقط الدخول في مفاوضات.
والعجيب في الأمر، أن الدولة المصرية لديها تيار غالب، في كل دوائر صنع القرار، ينحاز وبشدة إلى استئصال جماعة الإخوان المسلمين، والإجهاز عليهم بصورة تامة، ويعتقد أن الظرف السياسي في الشارع مواتي تماما، بعد أن جرب المواطن المصري حكم الإخوان طوال عام كامل، دون أن يحققوا أي نجاح، وليس مطلوبا من المواطن العادي أن يعرف أنهم لم يتمكنوا من تنفيذ برنامجهم، وتم تنفيذ مخطط إفشالهم عمدا من أركان الدولة العميقة، ومعارضة مؤسسات الدولة المهمة، مثل القوات المسلحة، وقوى الأمن، والقضاء والإعلام، والمحليات، ونفوذ وأموال رجال أعمال مبارك وفلوله، وكان لهذا التيار الكلمة العليا والأغلبية، وكان وراء التعاطي مع تنظيمات أشرف على أعمالها الأمن الوطني، الذي عاد إلى ممارسة عمله بكل قوة، من نوعية "إخوان بلا عنف"، بل وصل الحال إلى أن يلتقي مستشار رئيس الجمهورية أحمد المسلماني، مع من أسماهم شباب الجماعة المنشق عنها، ليكتشف هو شخصيا، أنهم مجموعة من النكرات، بلا وجود، ولا تأثير، كما أن الصقور داخل مجلس الوزراء من قوى اليسار، هم الذين دفعوا الحكومة إلى البدء الفوري، في تنفيذ حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، والخاص بحل الجماعة، دون تقديم نقض أو استشكال لوقف التنفيذ.
ويصبح السؤال، كيف ستتم المصالحة والقيادات في السجن؟ والجماعة في طريقها للحل، وحزب الحرية والعدالة في الطريق!!