


عدد المقالات 369
الدولة فكرة بلغت مرحلة كمالها بنشوء السلطة السياسية التالية للنشاط المجتمعي، لتنبثق السلطة السياسية معبّرة عن المجتمع بدرجة أو بأخرى، ومنظمة وضابطة لحركته وحراكه، بلغت البشرية مرحلة الدولة بعد تراكم معرفي هائل وتجارب كثيرة، وقد وفدت فكرة الدولة الحديثة إلى مجتمعاتنا من خارجها عبر عملية التثاقف الإنساني، فعرفنا الدولة بسلطاتها الثلاث المستقلة عن بعضها البعض، جهاز تنفيذي بتخصصات مختلفة يخضع لرقابة الجهاز التشريعي ولأحكام السلطة القضائية، ومؤسسات ودواوين وآليات خدمة مدنية، وجهاز مصرفي، وقوات نظامية، وغير ذلك من مؤسسات صارت مألوفة حتى للمواطن العادي، لكن هذه الأجهزة والمؤسسات التي تشكّل الدولة الحديثة، وتتكامل وتتناغم داخلها، تفقد جوهرها ما لم تكن في نظام ديمقراطي، وإلا تصبح أشكالاً خاوية في الأنظمة الشمولية الأحادية، حيث يتغول الجهاز التنفيذي على السلطة التشريعية، ولا يخضع لأحكام القضاء الذي يفقد استقلاليته، بل قد يجمع الزعيم القائد كل السلطات في يده، كما نرى في أمثلة عديدة لحكم الفرد. إن أخطر تداعيات تغييب الديمقراطية هو إفراغ مفهوم الدولة من مضامينه، وذلك بتعطيل ضوابط الدولة المتعارف عليها، فالقوة السياسية المسيطرة على مقاليد الحكم في النظام الأحادي لا ترغب بطبيعتها في ضوابط تحد من استبدادها السياسي، ولا من فسادها الإداري والمالي. تتضح أكثر أهمية الالتزام بضوابط الدولة عند الاستشهاد بما حدث في السودان من آثار مدمرة، نتيجة للتراخي والتهاون في ضوابط الدولة، فصارت الفوضى سمة بارزة في إدارة الدولة في كل مستوياتها، من حدود دنيا مثل تغييب الإيصالات المالية في التعاملات اليومية، انحداراً إلى التعتيم في إدارة العطاءات والتسيب في ضوابط الاستثمار، وهبوطاً إلى قاع تعطيل ديوان المراجعة. يُعد من حسن طالع الأجيال المتأخرة أنها وجدت فكرة الدولة مكتملة ناضجة، فلم يضطر المتأخرون لمعايشة حالة التجريب الشاقة، وعليه يصبح من الحماقة التطوع برفض الثمرة الناضجة والدخول في عملية تجريب جديدة، إما بادعاء غربة تجارب الآخرين، أو لإشباع رغبات التسلط. مما تقدم يمكن القول، إن الخطوة الأهم للإصلاح السياسي والاقتصادي في السودان هي إعادة ضوابط الدولة، ولا ضمانة لتفعيل الضوابط غير الاحتكام للديمقراطية، وليس أدل على ذلك من دستور السودان الذي ينصّ على الحريات العامة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات، لكن غياب الديمقراطية جعل هذه النصوص حبراً على ورق، ونشير إلى دليل آخر هو الحملة الأخيرة على الفساد، لم يظهر الفساد فجأة، وكانت القوانين التي تجرّم الفساد موجودة، والمحاكم التي تحاكم المفسدين موجودة، أي أن القوانين لم تكتب مؤخراً، ولم تنشأ السلطة القضائية حديثاً، لكن ضوابط الدولة كانت معطلة لغياب الديمقراطية، وعادة ما تُفعّل هذه القوانين والأجهزة «بالمناسبات» حسب حاجة الأنظمة الشمولية لتبييض وجهها أو حماية نفسها، ظل الفساد وحشاً يمشي بين الناس، ويراه الجميع بمن فيهم السلطة الحاكمة، لكنها ظلت تنكره وتطالب المواطنين بالأدلة على وجوده. للدولة الحديثة ملامح وسلطات وآليات وقوانين، لكنها جميعاً غير ذات جدوى ما لم تتحقق مضامينها، ولا ضامن لذلك سوى الديمقراطية.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...