


عدد المقالات 12
أنا أعشق الكتب والأفلام البوليسية كما أعشق كتب وأفلام الجاسوسية، فطالما أحببت الإثارة اللامتناهية في أحداثها وكمية الأدرينالين التي تتسبب بضخها في دماء المشاهد أو القارئ، والتي هي في رأيي مطلوبة دائما لإضافة قدر من التوابل إلى الحياة. أما أكثر ما أحببت في تلك الكتب فهي الرسائل المكتوبة بالحبر السري، وأتكلم عن الكتب القديمة فالحبر السري بالتأكيد يعد الآن شيئا عفا عليه الزمن، فدائما ما جذبتني تلك الخطابات التي تبدو عادية في مظهرها بينما هي تحوي بين سطورها رسالة أخرى كتبت بالحبر السري تحمل معلومات غاية في الخطورة أو موعد ومكان لقاء بين الجواسيس أو غير ذلك، وما زلت أذكر هذا الكتاب الذي قرأته في طفولتي، وهو من سلسلة المغامرين الخمسة للكاتب محمود سالم، حيث كان البطل يقوم بكتابة رسالة بأبسط أنواع الحبر السري: الليمون، ثم يظهرها عن طريق حرارة المكواة الساخنة، تجربة أعجبتني جدا حتى قمت بها بنفسي فيما بعد فقد استحوذت على الفكرة. ولكن الرسائل السرية والكلام بين السطور في حياتنا العصرية لم يعودا بحاجة لأحبار سرية من أي نوع، بل ولا يحتاجان إلى كتابة أيضا، فما أكثر الرسائل السرية التي يوجهها البشر لبعضهم بين سطور الكلام حتى لو لم يكن مكتوبا، وبين ثنايا التصرفات، وبين النظرات والابتسامات، رسائل قد تتضمن وعودا بأشياء مرغوبة أو تهديدات بأفعال مؤذية، فعالمنا أصبح غاية في التعقيد حتى أنه يغريني في كثير من الأحيان باعتزال البشر، وهو حلم مستحيل، فبين سطور الحلم تظهر عدم إمكانية تحقيقه، فنحن بشر ونحتاج إلى البشر حتى لو عانينا في فهم ما بين سطور كلامهم المسموع أو المكتوب، وما بين كلام أجسادهم من حركات وإيماءات وابتسامات. يفهم الأطفال الكلام بمعناه الحَرْفي، فعقولهم الغضة لا تحتمل فكرة الالتواء أو الكناية أو تحميل باطن الكلام غير ظاهره، وما زلت أذكر حين كان ابني يتمرن على كرة اليد مع أطفال كلهم دون السادسة وقد انقسموا إلى فريقين، طلب المدرب من الأطفال أن يراقب كل واحد منهم طفلا من الفريق المنافس واستعمل تعبير «يمسك» الشائع في ألعاب الكرة عموما فقال: «فليمسك كل منكم بواحد من الفريق المنافس»، فإذا بكل طفل يمد يديه ويمسك عضو الفريق المنافس الواقف بجواره، وانفجر كل الكبار الحاضرين في الضحك، فعقول الكبار تستوعب الالتواء وتمارسه بلا غضاضة ويطربها أو ربما يمنحها نسمة نقية منعشة أن ترى عقول هؤلاء الصغار التي ما زالت في مرحلة «ما قبل الالتواء». هل كل البشر قادرون على ممارسة الالتواء وتحميل كلامهم وأفعالهم بالرسائل والمعاني السرية أو الموجهة لشخص بعينه؟ تقول الخبرات البشرية المتراكمة إن أغلب البشر يقدرون على ذلك بنسب متفاوتة تبعا لنسب ذكائهم وطبيعة المجتمع الذي يتحركون فيه ودرجة قبول هذا المجتمع للأمر، وهناك من البشر من يمارسون الالتواء ويستمتعون به، وهناك من تجبرهم الظروف عليه ويعانون بسبب ذلك ولكن لا حيلة لهم في التوقف عنه فأحيانا تقتضيه الظروف ولا يكون هناك مفر. تختلف درجة الالتواء المسموح بها من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى، فما يعد مجاملة بسيطة في مجتمع ما قد يعد نوعا من الكذب البشع في مجتمع آخر، وغالبا ما يعرف من يتلقى المجاملة أنها مجاملة وليست شعورا حقيقيا، ورغم ذلك، فهو يظهر سروره وشكره للطرف الآخر ويرد المجاملة بأفضل منها وكأن الطرفين يمثلان مشهدا سينمائيا يعرف الجميع أنه مزيف ولكنهم ينخرطون فيه بمنتهى الحماس كما لو كان حقيقيا، وهذا يدفعني كثيرا للتساؤل عن جدوى الكثير من أفعال البشر إذا كانت دائما بها هذا القدر من الزيف، وعن جدوى المجاملة التي توجه للجميع، أليس هذا نوعا من هضم حقوق الذي يستحق المدح فعلا وإسباغ الإطراء على من لا يستحقه حتى يصدق نفسه ويصاب بالغرور، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فكثير من الناس وأنا منهم، يتوقفون عن تصديق الشخص الذين يعرفون أنه مجامل، ويبحثون بين سطور كلام من يعرفون أنه يحمل كلامه بالمعاني الخفية، وهذا يعيق التواصل بين بني البشر، وأقول ذلك عن تجربة، فأنا أجد صعوبة بالغة في التواصل مع من اعتاد المجاملات المبالغ فيها ولا أستطيع أن أصدقه أبداً في ما يقوله لي ولغيري، فبين سطور مجاملته للجميع نوع من الإهانة المبطنة لأنه يساوي بيني وبين بعض من لا يستحق المدح، رغم أنني قد أتغاضى عن ذلك تبعا لأهمية تفاعلي معه. رغم إمعان المجتمعات البشرية عموما في الالتواء والمجاملات والكذب، فإن التجربة تقول إنه لا يصح إلا الصحيح في النهاية، وإن البشر يجب أن يستعيدوا الصدق في كلامهم وتعاملاتهم وإلا فسنصل إلى وضع لا يصدق فيه أحد أحدا ونعاني أزمة ثقة عامة، والمثل الشعبي المصري يقول: «مبروم على مبروم ما يلفش»، بمعنى أن الكاذب لا يستطيع أن يقنع كاذبا مثله، فكيف ستكون الحال لو أصبح كل البشر كاذبين؟ هذا هو ما بين سطور كلامي أكتبه بالحبر الذي ليس سريا: فلنستعدْ الصدق في حياتنا يا إخوتي في الإنسانية، وإلا فسنصل إلى يوم تستحيل فيه الحياة بصورة سليمة على هذه الأرض.
هل يجب أن يفعل الشخص ما يريده أم ما يريده الآخرون أن يفعله؟ قد يبدو هذا سؤالا بديهيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالشخص نفسه ولا يمس شخصا آخر فليفعل ما يريد وإن كان يمس الآخرين...
«عيون زرقاء»، عبارة اعتدت وزملائي أن نتبادلها كثيرا في سياق يتضمن الحسرة أو السخرية أو المواساة، فمجال عملنا يوجد به الكثير من الأجانب سواء من يعملون معنا أو مع جهات منافسة، ولأن هؤلاء الأجانب يتقاضون...
توقفت في المقال السابق عند وصف حياة الأخوين جراهام (ميل جيبسون) وميرلين (خواكين فينيكس) الشخصيتين الرئيسيتين في فيلم الإشارات (signs) وهو من الأفلام الفلسفية عميقة المعنى والدلالة. لم تكن الحياة أفضل بالنسبة للطفلين ابني جراهام...
أردت أن تدرس تخصصا ما ثم لم تؤهلك درجاتك له؟ أردت أن تعيش في مكان ما ثم لم تسمح لك ظروفك؟ أردت شيئا ثم لم تحصل عليه؟ كل منا بالتأكيد مر بظرف مماثل مرة واحدة...
كم يبلغ طول قامتك؟ هل أنت طويل، قصير، متوسط؟ وماذا عن وزنك؟ هل أنت نحيل، سمين، معتدل، وزنك مائة كيلوجرام؟ ربما أنت بدين إذاً، ولكنك طويل جدا، طولك يقترب من المترين، فأنت لاعب كرة سلة.....
حيرتني كثيرا فكرة الحدود التي يجب أن نتوقف عندها كبشر في طفولتي المبكرة جدا، حتى كبرت قليلا وعرفت أنها حدود الله سبحانه وتعالى. لكن ماذا عن حدود التفكير؟ هل التفكير يجب أن يتوقف عند حد...
لا أذكر بالتحديد متى سمعت أو قرأت عن هذا الأمر، أمر نصفي المخ الأيمن والأيسر واختصاص كل منهما وخصائص شخصية من ينشط لديه أحد النصفين أو الآخر، ولكني أذكر بدقة أول مرة شاهدت فيها هذا...
نحن لا نعيش في هذه الدنيا الرحبة، بل كل منا يعيش داخل صندوق! قد يبدو هذا للبعض ليس حقيقيا وربما مستَغرباً أو تخيلياً، ولكن يجب أن يمعن هؤلاء التفكير في رأيهم هذا. فكل منا يعيش...
عرفت سها عن طريق الصدفة، احتجت إلى سلعة ما، سألت وعرفت أنها متوفرة ولكن بائعيها يغالون كثيرا في السعر، بحثت وبحثت حتى وجدت موقع سها على الإنترنت، اتصلت بها رغم توجسي من شراء أي شيء...
مشغول، مثقل بالمسؤوليات، مرهق، ليس لدي وقت، لا أعرف كيف أفعل كل ما يجب فعله، أريد يوما من ثمان وأربعين ساعة.. كلمات وجمل كثيرا ما نسمعها ونقولها في حياتنا العصرية المجنونة هذه وأنا أول من...
رمضان كريم، ها قد أتى رمضان آخر، هذا الشهر الفضيل الذي يحتل مكانة عظيمة في قلب كل مسلم، ولكن ألم يرحل رمضان السابق منذ شهور قليلة؟ ألم نكن نشتري ثياب عيد الفطر الماضي لأطفالنا منذ...