إذا قالت اسكتلندا «نعم» للاستقلال...
15 سبتمبر 2014 , 07:09ص
ليس هناك رابط بين استفتاء اسكتلندا على استقلالها وبين حالات مطالبة بالانفصال في بلدان كثيرة حول العالم أو حالات تفكك بفعل الحروب الأهلية، كما في الشرق الأوسط وبعض نواحي إفريقيا، وحتى أخيراً في أوكرانيا، لكن الظاهرة صارت لافتة جداً في هذه الأيام، مع تصويت الاسكتلنديين الخميس المقبل بـ «نعم» أو «لا» للانفصال/الاستقلال عن المملكة المتحدة، وهي حالياً إحدى الدول الكبرى الخمس في العالم ليس فقط لأنها غنية أو قوية وإنما خصوصاً لأنها صاحبة تجربة طويلة في الحروب والدبلوماسية وإدارة المال والاقتصاد، ولأنها تستند إلى «اتحاد» ثلاثي (إنجلترا واسكتلندا وويلز) هو الذي جعل منها «بريطانيا العظمى». غير أن الحدث المقبل يهدد عظمتها هذه على أكثر من صعيد، حتى إن العديد من استراتيجييها يعطي تصورات قاتمة لمستقبلها ولا ترى أنها ستبقى مستحقة عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي.
الاستحقاق الاسكتلندي مطروح نظرياً وعملياً منذ سبعينيات القرن الماضي، والبعض يقول إنه أكثر قدماً من ذلك إذ الـ307 أعوام من الاتحاد كان نصفها الأول ناجحاً وحيوياً أما النصف الثاني فظل متصاعداً في التقلب إلى أن بلغ اللحظة الحرجة الراهنة. لا شك أن هناك رواسب تاريخية جعلت الاسكتلنديين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مميزون كأمة كافحت الإنجليز لقرون رافضة هيمنتهم عليها، كما أنهم مختلفون بمزاجهم العام الذي يغلب عليه اليسار التقليدي الأقرب إلى حزب العمال لكن البعيد كل البعد عن اليمين المحافظ الذي غالباً ما استأثر بالسلطة وبرسم السياسات في المركز، والأهم أن اقتناعاً تراكم لديهم طوال عقود طويلة، عن خطأ أو عن صواب، أنهم سيكونون بحال أفضل إذا تولوا إدارة شؤونهم مباشرةً بدل الامتثال لسياسات «حكومة وستمنستر».
مر الإنجليز و «السكوتس» بقرون من الحروب الضارية، ويبدو أن اختيار السنة 2014 للاستقلال كان لمصادفتها الذكرى الـ700 لمعركة بانوكبيرن التي انتصر فيها «السكوتس». لكن الأمتين اضطرتا في النصف الثاني من القرن الـ17 لتوحيد جهودهما بعدما شارفتا على الإفلاس وضعفتا عسكرياً إلى حد تدافع أمم أخرى مجاورة لغزو أراضيهما، واستغرقت عملية بناء الاتحاد نحو ثلاثة عقود إلى أن أعلن رسمياً ووقع على معاهدته عام 1707. ومنذ الآن اختير تاريخ 23 مارس 2016 يوماً للاستقلال الفعلي وهو موعد مفعم أيضاً بالرموز التاريخية. غير أن هذا الزواج بين الأمتين أثبت خلال ثلاثمئة عام ونيف أنه لم يكن ناجحاً فحسب بل كانت مساهمته رائدة وعميقة وحاسمة في تأسيس العالم الحديث، إذ إن تمازج الطاقات وتداخلها أتاح بعض أهم الاختراعات العلمية والبواكير التكنولوجية والدراسات الفكرية، التي توزع أصحابها بين أن يكونوا إنجليزا يتوصلون إلى إنجازاتهم بفضل مساهمة اسكتلندية، أو العكس. ويكفي استعراض بضعة أسماء من جيمس وات (المحرك البخاري) إلى تشارلز داروين (علم الأجناس) وآدم سميث (تنظيم الاقتصاد) وجون بيرد (التلفزيون) وألكسندر فليمنغ (البنسلين) وبيتر هيغز (الذرة) للتأكد من هذا النجاح.
أما اليوم، وبفعل تصاعد التيار القومي في أوروبا عموماً، كما بفعل الأزمات وتداعيات العولمة التي ربما أخلت بالتوازنات، وكذلك بسبب أخطاء وإهمالات ارتكبها المركز (حكومة وستمنستر)، يقف الاتحاد أمام استحقاق الطلاق الذي قد يحقق -أو لا يحقق- للاسكتلنديين طموحهم حتى لو حل عقدتهم التاريخية، لكنه قد ينهي إحدى أهم التجارب الإنسانية ويغير بالتالي الخريطة العالمية للدول الكبرى، فإذا نجح التصويت لمصلحة «نعم للاستقلال» سيكون ذلك بداية أزمة طويلة للطرفين (سنة ونصف للتفاوض على إجراءات الانفصال سيكونان خلالها موضع انعدام وزن، ثم سنوات طويلة لكل منهما كي يتعرف إلى حجمه الجديد ويستعيد التوازن). ومن الواضح أن الأساس في هذا الاستفتاء هو رغبة الاسكتلنديين، لكن الكثير من الغموض والثغرات يكتنف تصورهم للمستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بمواردهم، إذ إن ارتكازهم الأولي يعتمد على نفط بحر الشمال الذي يقع معظم مواقعه في أراضيهم، لكن تقديراتهم لاحتياطيه قد تكون مبالغة، ثم إن نيتهم مواصلة اعتماد الجنيه الإسترليني لا تتناقض فقط مع الطموح الاستقلالي بل تفرض عليهم مترتبات قد تعيدهم إلى المربع الأول الذي انطلقوا منه لطرح استحقاق الانفصال، ثم إنها تناقض عزمهم على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي سيدعوهم إلى اعتماد عملته (اليورو). أما استعجالهم أيضاً للانضمام إلى حلف الأطلسي (الناتو) مع التشدد في إبقاء اسكتلندا «غير نووية» فيخل باستراتيجية الردع الأطلسية التي اعتمدت دائماً على بريطانيا نووية كإحدى الركائز الأساسية لتلك الاستراتيجية.
هذه مجرد عناوين عريضة للتغييرات المفترضة، أما التفاصيل فستتسبب بأكثر من مجرد صداع وتشنجات على الجانبين. ولعل أكثرها إيلاماً ما سينعكس على الأفراد، وعلى سبيل المثال فإن الاسكتلندي المقيم في إنجلترا وليس له بيت أو عقار في اسكتلندا لا يستطيع التسجيل للمشاركة في الاستفتاء، أما أي مقيم غير بريطاني فيمكنه ذلك. واللافت أن الشباب هو الأقل تحمساً لقول «نعم» ربما لأنهم يشعرون بأن الاستفتاء عملية سياسية تقود إلى المجهول أكثر مما هو قضية مصيرية ربما تمهد لمستقبل أفضل. أما كبار السن فتتفاوت دوافعهم للانفصال بين المشاعر العاطفية والخلاص من الضرائب المرتفعة التي يعتبرون أنها لا تتناسب مع ما تناله اسكتلندا من استثمارات في المحصلة.
رغم الذعر الذي استشعرته الأحزاب الثلاثة الرئيسية في المركز، قبل أيام من الاستفتاء، إلا أن عروض اللحظة الأخيرة -مزيد من صلاحيات الحكم الذاتي للبرلمان الاسكتلندي («هوليرود»)- لترغيب المصوتين بقول «لا للانفصال» جاءت متأخرة ومفتعلة، في الجانب الآخر كان إعلان البنوك الكبيرة عزمها على مغادرة اسكتلندا هو ما أعاد استطلاعات الرأي إلى خانة الـ «لا»، لكن التنافس بين الخيارين يدور على نقطة أو نقطتين لمصلحة هذا أو ذاك. المملكة المتحدة على عتبة حدث خطير لن يضطرها فقط إلى تغيير علمها وإلى الاعتراف بمكانة مختلفة لها دولياً بل سيضطر إنجلترا للمرة الأولى لأن يكون لديها دستور مكتوب.